القضية الصحراوية بين رهانات الشرعية الدولية ولغة المصالح الخفية



صوت_الضفتين الجيلالي_كرايس من المعروف ان السياسة الخارجية للجزائر، قد بنيت وتأسست على دعم قضايا التحرر العادلة في العالم، وتقديم كل الدعم والمساندة للشعوب، التي ترزح تحت نير الاستعمار، كما ان الموقف الجزائري واضح وثابت ولا يتغير امام المتغيرات على الساحة الدولية، فعند الحديث عن حق تقرير المصير، نجد الجزائر تضع كل الاعتبارات جانبا، ونجدها ايضا افضل داعم للشعوب المستعمرة، دون مراعات للعرق والدين واللون، موقف اكسب الجزائر مكانة دولية خاصة، لدى دول العالم الثالث، واصبحت المواقف الجزائرية بمثابة عقيدة راسخة قد بنيت عليها السياسة الخارجية الجزائرية، واصبحت من اهم سيمات النشاط الدبلوماسي الجزائري.

ومن ابرز القضايا التي تدعمها الجزائر، بل تعتبر اول واكبر الداعمين لها، هي قضية نضال الشعب الصحراوي، وسعيه الى تحقيق استقلاله واسترجاع سيادته، رغم ان الخصم هو جار الجزائر ومن بين ابرز الداعمين للشعب الجزائري اثناء الثورة التحريرية، الا ان الجزائر لا يمكنها ان تقدم أي تنازلات او المساومات، ولا يمكن لموقفها ان يتراجع عن دعم حق تقرير المصير، حتى وان كان الموقف الجزائري ضعيفا بالمقارنة مع الموقف المغربي، كونه يعتمد على الشرعية الدولية، والقرارات الاممية، بينما المغرب نجده يراهن، على القوى العظمى، وهو على العكس تماما من الجزائر، لا يبني خياراته على المجتمع الدولي ولا على القوانين الدولية، في دعم مواقفه لأنه يعرف جيدا ان دبلوماسية الاقناع والصداقة التي تتبناها الجزائر، تتطلب نفسا طويلا ونوعا من الصبر، بينما يراهن المغرب على دبلوماسية التنازل والخسارة، مقابل تحقيق هدف جوهري واساسي بالنسبة للأمن القومي المغربي.

ان العالم تحركه المصالح لا سواد عيون الشعوب، والعالم تحكمه المصالح ولا يحكمه القانون، وعلى الدول ان تعرف جيدا كيف تضرب غريمتها تحت الحزام بقليل، كون الدبلوماسية تسعى الى الدفاع عن مصالح بلادها والحاق الضرر بمصالح منافسيها، هذا طبعا ليس عبر القنوات الدولية، خاصة بعد ان انتهى مفعول الهيئات الاقليمية، وبعد ان تربعت الولايات الامريكية المتحدة على عرش العالم، واصبحت وحدها من تقرر عدالة القضايا من عدمها، واصبح من يراهن على الهيئة الاممية ومنظمات حقوق الانسان، كمن يضيع وقته ويستهلك جهده ويمنح لخصمه فرصة للتقدم على الميدان، وتغيير الحقائق على الواقع، ولعلى ابرز مثال على ذلك الصراع الفلسطيني الصهيوني، حيث يعترف المجتمع الدولي بحق الشعب الفلسطيني، لكنه لا يمارس اي ضغوط حقيقية على الكيان الصهيوني، من اجل تنفيذ قرارات مجلس الامن، وتجسيد حل الدولتين.

نعم المغرب قدم تنازلات كبيرة وهو ألعوبة في يد القوى العظمى، اذ قبل وجود قواعد امريكية واستفاد من صفقات سلاح، وهناك اختراق واضح من طرف فرنسا للقرار المغربي، بل وصل به الامر الى الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني، وهو يغض الطرف عن الاحتلال الاسباني لسبتة ومليلة، ويعرف تذبذبا في مواقفه حول حل القضية الصحراوية، لكن من جهة اخرى حقق هدفه وهو عدم وجود ضغوط حقيقية لتقرير مصير الشعب الصحراوي، كما ان المغرب تحول الى قبلة للساسة الغربيين، بل حتى المجموعة العربية استطاع المغرب ان ينتزعها من الجزائر، فاغلب الدول العربية تميل الى الطرح المغربي، ام الجزائر فليس هناك من يدعهما الا بعض الدول الافريقية، التي هي بحاجة الى الدعم، او تلك الدول التي تصنف بالمارقة حسب الاعراف الدولية، كما ان مواقفها لن تحرك القضية الصحراوية ولن تأثر فيها.
كما ان الجزائر ورغم انها محقة ومواقفها مشرفة، لكنها لن تتمكن من تحريك القضية لان الجزائر تراهن على الهيئة الاممية وعلى المنظمات الحقوقية، وهذا رهان خاسر، لان العالم لا يحكمه القانون بل تحكمه المصالح.

والقانون لا يطبق الا عندما يتوافق مع توجهات الدول العظمى، ام العدالة وحقوق الانسان فلا معنى لهما في عالم تبحث فيه كل دولة عن مصالحها القومية، الجزائر تنتظر من غوتيراش ان يدفع نحو استفتاء تقرير المصير، واجبار المغرب على الاعتراف بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، لكن في حقيقة الامر الامين الاممي الحالي او غير من الامناء العامون للأمم المتحدة، لن يفعلوا اكثر من الاستنكار والاعراب عن قلقهم، وعن شعورهم بخيبة الامل، وانهم يريدون ان يحترم القانون الدولي، ولن تتحول تصريحاتهم الى افعال الا اذا تغيرت كفت المصالح لصالح الموقف الجزائر، لكن في النهاية ستبقى الجزائر بعيدا عن لغة المصالح قبلة للثوار وجنة المعدمين، وستبقى المغرب رغم المصالح، حديقة خلفية للمستعمرين الذين لن يتنازلوا لها عن القضية الصحراوية ولن تهنأ بها، بل سيبتزونها من اجل مزيد من التنازلات دون ان يكلفوا انفسهم مخالفة القانون الدولي امام شعوبهم.

بقلم كرايس الجيلالي.

Share this post

No comments

Add yours