الناشطة السياسية :ريم بالخذيري تشرح التداعيات الاقتصادية للوباء الكوني



في تداعيات الوباء الكوني على المستوى الدولي وعلى المستوى الوطني

أمام هذا المشهد المتغير في العمق يعيش وطننا الغالي بدوره تونس على إيقاع هذه المتغيرات ولا بد أن تكون لها تداعيات هامة على الشأن العام.
أردت التنبيه في هذه المقالات إلى إثارة نقاش في الشأن العام على المستوى الدولي ومقارنة ذلك بالتداعيات ذاتها على المستوى الوطني.
إن إعلان حالة الوباء الكوني فرض أزمة عميقة ثنائية الأبعاد إنسانية وإقتصادية سوف تكون ذات تداعيات هامة على السلوك الإجتماعي والواقع الجديد للسياسة الدولية وقيادة العالم بعد هذا الوباء الكوني.
سوف تتغير الكثير من الموازين والمفاهيم في السياسة الدولية وقيادة العالم بعد اليوم وبعد انتهاء الحرب على الوباء الكوني رغم ما سوف تخلفه من خسائر فادحة على المستوى البشري وبالأساس على اقتصاديات الدول ونمط توزيع الثروة في العالم.
هذه المتغيرات التي تعيشها الإنسانية للتوقي من الموت سوف تراجع من خلالها الخيارات الليبرالية التي حكمت بصورة أحادية طيلة العقود هذه والتي باءت بالفشل أمام هذا المشهد العاجز في مواجهة الوباء.
هذه المشاركة التي أطرحها في هذه المقالات الثلاثة أتعرض في المقال الأول هذا إلى التداعيات الإقتصادية للوباء ثم في مقال ثاني إلى التداعيات السياسية والمؤسساتية وأختتم في مقال ثالث إلى التداعيات ذاتها على المستوى الوطني بعد هذه القراءة المقارنة.

أولا- في التداعيات الإقتصادية للوباء الكوني.

لا بد لهذه الدارسة من اعتماد بعض الارقام التي حصل إتفاق على أنها تعبر على الواقع الإقتصادي الجديد في العالم.
العالم الإقتصادي الحر يعيش منذ عقود على وقع ركود وانكماش كبير يؤكد مجددا أن أزمته هيكلية بالأساس، والأرقام المعتمدة في سنة 2019 في الموازنات المالية للولايات المتحده الأمريكية القوة العظمى التي تقود هذا العالم الحر تؤكد هذا الفشل الإقتصادي.
حجم الموازنة العامة للدولة في أمريكا Budget de l’Etat Fédéral في حدود 4،5 تريليون دولار مع عجز سنوي مقدر بواحد 1 تريليون دولار أي أن نسبة العجز تقدر بربع الموازنة وهي من أعلى النسب في العالم.
نسبة النمو في أمريكا أقل من %2، سنة 2019 وسوف تتراجع إلى النصف لأسباب موضوعية علاوة على تداعيات الوباء الكوني.
وبمقارنة الإقتصاد الأمريكي الذي يهيمن على العالم ويقود الإقتصاد الحر ويفرض منظومة العولمة خلال العشريتين الماضيتين، بنظيره الصيني نتوقف على مفارقة تفسر الصراع الذي يعيش العالم على خلفيته وهو يخوض حربا للبقاء وصيانة الحياة الإنسانية على كوكب الأرض.
هذا الصراع بين قوة مهيمنة هي أمريكا وقوة تريد أن تتموقع للقيادة هي الصين ذات الإقتصاد الذي حقق نسبة نمو ب %6 سنة 2019 ورغم الوباء الكوني والانكماش الإقتصادي العالمي سوف يحقق سنة 2020 نسبة نمو ب %3، هذا الإقتصاد الذي سيبلغ سنة 2030 في حجمه العام ضعف الإقتصاد الأمريكي.
إن فشل الإقتصاد الأمريكي ومواصلة هيمنته على المستوى الدولي وفرض اختياراته أدى إلى حالة الإفلاس التي يعيشها العالم، والأرقام المعتمدة في سنة 2019 شاهدة على ذلك إذ أن حجم الناتج الدولي هو 85 تريليون دولار في حين أن حجم الدين في العالم هو 350 تريليون دولار إذن حالة الإفلاس حقيقة لا وهم ولا تجني.
حالة الإفلاس هذه تعني فشل الإختيارات التي فرضتها أمريكا القوة العظمى المهيمنة بصورة أحادية طيلة العقود الماضية والتي تصطدم اليوم بأن أزمة الخيارات الليبرالية هي أزمة هيكلية بالأساس، بعد أن وفرت الدولة العظمى لهذه الخيارات كل ما اعتبرتها سبل النجاح وهي في الحقيقة أدوات إمبريالية تحقق أسباب الهيمنة وفرض منظومة واحدة منفردة تعيد إنتاج الأزمة منذ بداية القرن الماضي دون وعي بأن الأزمة هيكلية وليست دورية يقع تجاوزها بنفس الأدوات، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصناديق المرافقة وهي في الحقيقة أدوات هيمنة، تعينهاوتسندها منظومة حقوقية دولية متمثلة فى هيئات أممية لكنها خاضعة لنفس الهيمنة وتعمل على ديمومتها وحماية مصالحها ومصالح حلفائها.
إن العجز في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ الإنسانية غير مسبوق ومن المحتمل أن تحاول المنظومة الليبرالية الخروج من الهيمنة الأحادية إلى هيمنة ثنائية وتجلس أمريكا إلى مائدة التفاوض مع الصين، لكن بخلفية إشتراطية تتعلق أولا بفرض الإبقاء على الدولار عملة دولية وثانيا مواصلة منطق القسمة بإعادة صياغة خارطة جديدة للعالم.
يمر العالم إذن اليوم باخطر أزمة تهدد وجوده على وقع هذا الصراع المحموم لإعادة صياغة خارطة جديدة وعلى خلفية فشل كامل المنظومة الليبرالية بوجهها الإقتصادي كما أسلفت، لكن هذه المتغيرات التي تعيشها الإنسانية للتوقي من الموت لها تأثيرات هامة على السلوك الإجتماعي وبالتالي تداعياتها سوف تكون كذلك سياسية ومؤسساتية.
أطرح للنقاش هذه المتغيرات والتداعيات في المقال القادم.
ريم بالخذيري
لوزان 25مارس 2020

Share this post

No comments

Add yours