الناشطة السياسية : ريم بالخذيري تصويت صادم في مجلس نواب الشعب



 

مازالت  ردود  الفعل  متباينة  حو ل  رفض مجلس   نواب  الشعب  المصادقة  على  الاتفاق  المؤسس لمنطقة  التجارة  الحرة   مع  دول إفريقيا    و دونت الناشطة السياسية  ريم بالخذيري  نص طويل  ومفصل  حول   ضخامة  الخسارة    وفي   مايلي النص

تصويت صادم في مجلس نواب الشعب.

أنا مقتنعة أنني تأخرت في التعبير عن موقفي من التصويت بالرفض من قبل نواب الشعب المحتورمين في البرلمان عند عرض المصادقة على الإتفاق المؤسس لمنطقة التجارة الحرة القاريةالإفريقيةZLECA.
سوف أكون صادقة ولا مبالغة حين أقول أنني كنت في حالة صدمة.
الصدمة سببها أنني وبحكم طبيعة النشاط الاقتصادي للمؤسسة التي أسيرها كنت أتابع هذه الديناميكية المفيدة لبلدي تونس منذ سنتين تقريبا وانا على يقين أنها ستثمر ولن تعترضها عراقيل مهما كان مأتاها لأن المصلحة مفترضة فيها ولا تحتاج إلى تبرير والسبب في ذلك أن المعطى الموضوعي الأساسي الذي جعل الكل يلتفت إلى دور تونس في هذه الإتفاقية هو جغرافي بالأساس وموضوعي بالضرورة، دون التعرض إلى مسألة بديهية وتاريخية وهي أن تونس هي من أعطت اسمها، إفريقية، لكل القارة.
جغرافي بالأساس باعتبار أن تونس هي بوابة إفريقيا على العالم وهي أقرب أرض من جنوب المتوسط إلى شماله وهذا المعطى الجغرافي والذي جعل من تونس ممرا إستراتيجيا على مدى العصور، ورغم تغير طبيعة المبادلات فإن هذا الموقع حافظ على أولويته وهذا يفسر الضرورة الموضوعية لموقع تونس.
هذه الضرورة الموضوعية هي أن تونس ورغم ما أصاب اقتصادها من انكماش وما لحق بصناعتها من تراجع والنزيف الذي أصاب مقدراتها البشرية بسبب الهجرة المتواصلة للإطارات الكفأة التي كانت محل ثقة الجهات المستثمرة، إلا أن قطاع الخدمات من جهة وقطاع التبادل التجاري بقيت نشطة ومتحفزة للإنطلاق في كل المبادرات وذلك رغم صغر حجم السوق التونسية وانخرام التوازن التجاري بسبب التبعية السياسية.
وسوف أسوق مثلا على سبيل الذكر لا الحصر وهو قطاع الشركات المتخصصة في التكنولوجيات الجديدة، والمصطلح عليها الشركات الناشئة startup، وقد أنشئت في سنة 2019 وتم منح علامة الإمتياز لما يناهز 192 شركة.
إذن هذه بعض المعطيات الموضوعية التي تجعل من تونس رقما ضروريا لا يمكن إغفاله او تجاوزه من قبل الجميع حتى تنجح مواد الإتفاقية الإفريقية لمنطقة التجارة الحرة، ولذلك صدمت حين يفشل نواب الشعب مشروعا استراتيجيا لنجاح مفترض لتونس لم تسعى إليه ولا يكلفها أي مجهود وإنما هو منحة من الجغرافيا والتاريخ وطبيعة مناخ الأعمال في تونس، إذن يقوم البرلمان وكأنني به جهة معادية لتونس بإجهاض هذا المشروع، وهذه صدمتي.

لكن صدمتي أصبحت مصيبة لم أستطع السكوت عنها حين استوقفني تصريح لأحد السادة النواب المحترمين، عندما أجاب بكل بساطة بما معناه أنه مع كتلته البرلمانية لم يسوطوا للإتفاقية لأنهم لم يجدوا المساندة عند عرض مشروع إحداث صندوق الزكاة.
مع كامل الإحترام للسيد النائب ودون الرغبة في دخول منطقة الخلاف معه أو مع حزبه أوكتلته فإنني وجدت في هذا الجواب مصيبة حلت بتونس.
السبب الأول لذلك هو أن المواقف من التوجهات العامة للدولة سوف تصبح رهينة الحسابات السياسية بين الأحزاب والكتل وليس المصلحة العليا للبلاد خصوصا وأنها تئن تحت عبئ من التداين الخارجي كما الداخلي وكل المؤشرات الاقتصادية فيها في تراجع منذ عشر سنوات.
السبب الثاني الذي يجعل رفض المصادقة على إتفاقية ZLECA بحجم المصيبة هو أنه سوف يفوت على تونس فرصة حضور جلسات التفاوض التي ستعقد خلال شهري أفريل وماي 2020 لمناقشة مجالات الإتفاقية وتقاسم آليات العمل في هذه المنطقة، ونكون بذلك قد تخلفنا عن ركب التسعة والعشرين ( 29 ) دولة التي سبقتنا وامضت الإتفاقية ومن بينها الجارة الجزائر.
المصيبة أن لا يعي النائب ممثل الشعب أن انخراط تونس في هذه الإتفاقية يفتح أمامها سوقا قوامها خمسة وخمسون ( 55 ) دولة وقوامها اليوم مليار ومائتي مليون ساكن ( 1,2 ) وسوف تكون هذه السوق في حدود سنة 2050 في حدود مليارين وخمسة مائة مليون ساكن أي ما يعادل ثلث السوق العالمية.
لم يراعي السادة النواب حين تساهلوا في التعامل مع هذا الرفض أن إفريقيا اليوم والمكانة المستقبلية التي تتبوأها هي سبب العديد من الصراعات الدائرة في العالم وهي محل خلاف بين القوى العظمى للسيطرة على هذه السوق، ونحن تونس بوابة هذه السوق رغما عن الجميع وموقعنا وتجربتنا في تشكيل منطقة عبور ومنصةتواصل هي من صميم طبيعتنا الموروثة.
إن شبابنا المتوثب قادر أكثر من غيره على التأقلم مع هذه الأدوار الاقتصادية والوسائطية والمبادلاتية ولا ينتظر إلا الفرصة لذلك، وللأسف كان لنوابهم رأي آخر مختلف تمام الإختلاف عن مصالح الشعب التونسي ولكل نائب تفسيره لهذا الرفض ولكنهم يلتقون في قاسم مشترك هو إلحاق الضرر بالبلاد، وهو ما يقدم البعض من التفسير لنتائج سبر الآراء الأخير الذي حل فيه النواب ومجلسهم في أدنى نسب الثقة الممنوحة للسلط التي تسير البلاد وهذه النسبة المتدنية لم تشذ عن سابقتها أو العهدة البرلمانية المنقضية او عن التي سبقتها.

إن كان ولابد أن أنهي هذه الورقة التي أردتها اقتصادية لكنها أصبحت شكوى وأنحت تنديدا سياسيا، رأيت أن أنهي بأن معلومة بصدد التأكد وهي أن الرشد عاد للبعض من السادة النواب وفي القريب العاجل سوف يعود القانون الأساسي المتعلق بالمصادقة على إتفاقية منطقة التبادل التجاري الحر في إفريقيا ZLECA إلى النقاش في جلسة عامة قريبة جدا، ومع عودة الوعي يعود الأمل في تموقع تونس مجددا محطة مهمة على طريق التجارة العالمية.
ريم بالخذيري
12 مارس 2020
لوزان

Share this post

No comments

Add yours