تونس تخوض حربا للبقاء بالتوازي مع حروب سياسوية أشد خطورة على الشعب



صوت الضفتين- مقال رأي- الكل تحدث عن حرب  البقاء التي تخوضها تونس ضد الوباء الكوروني لكن الاخطر من ذلك هي  الحروب السياسية المخفية  التي تدور رحاها بين المؤسسات والسياسيين على أصعدة متخلفة.

الامثلة على ذلك كثيرة و التي حولت شخر رمضان الى فترة سياسية بامتياز وسنسوق البعض منها على شبيل الذكر لا الحصر.

حرب الرئاسة و البرلمان

وهي ذات بعد إستراتيجي يهم مستقبل تونس واستقلال قرارها الوطني.اذ السيد رئيس الجمهورية بكل رمزيته وبعد بعض الهنات الديبلوماسية عاد ونجح بهدوئه في وضع تونس في مدارها السليم و في موقعها الإقليمي الطبيعي، جارة لليبيا وحليفا لشعبها الشقيق ومدافعة عن حل ليبي ليبي دون تدخل عثماني من وراء البحار ورفض أن تكون تونس موضع قدم لأردوغان وغرفة خلفية لجسر جوي وبحري لمرور جحافل جيشه والمرتزقة من الإرهابيين إلى ليبيا.
في مقابل هذا الموقف الطبيعي والمؤسساتي طبقا لصلاحياته الدستورية وعلى خلافه يتولى رئيس مجلس نواب الشعب” الإتصال الرسمي” بالسلطان العثماني أردوغان ” للتباحث في الوضع بالمنطقة والمسألة الليبية ” ( حسب بلاغ رسمي صادر عن الرئاسة التركية ) وفي هذا تجاوز لكل القواعد الديبلوماسية ومقتضيات الدستور علاوة على تضارب هذا الموقف مع الموقف الرسمي لتونس ولا يمثل موقف رئيس الجمهورية ولا المصالح الإستراتيجية لبلادنا خصوصا بعد تغير موازين القوى في ليبيا وتغير التحالفات بعد دخول سيف الإسلام القذافي إلى مربع الأحداث والمواقف المستجدة للبرلمان الليبي ورئيسه عقيلة صالح.
هذا وجه من أوجه الصراع بين مؤسستين بهذه الأهمية: رئيس الجمهورية وأحقيته  في تحديد الموقف التونسي والتزامه بمضامين ديبلوماسيتها ورئيس البرلمان وانخراطه في الأجندا العثمانية وتعارضها مع مصالح تونس وشعبها…
وللحديث بقية في هذا السياق وما خفي كان أعظم..

 حرب تحديد الحاكم الفعلي للقصبة

وهي حرب مؤسسات أيضا على خلفية خصومة سياسية. فرئيس الحكومة عديم الحضور السياسي والحزبي عند ترشيحه وعند التفاوض لتشكيل حكومته وتمكينها من حزام يسندها قدم عديد الوعود والتنازلات ووجد نفسه سريعا تحت ضغط الإيفاء بها لأن أصحاب الفواتير لا تهمهم مصالح الشعب التونسي بقدر ما تهمهم مصالح أحزابهم، وسوف نتعرض لبعض مظاهر هذه الصراعات.
– النهضة تعيش خلافا جوهريا على خلفية مؤتمرها العشرين بين شيخها وأنصاره الذين استحوذوا على المفاصل المهمة في الحكومة لخدمة انسيابية مرور فريق الشيخ في المؤتمر بواسطة أدوات الدولة والمواقع التي تمركزوا فيها، غير أن الوباء وتداعياته الوطنية قفزت بصورة وزير الصحة النهضاوي إلى صدارة الأحداث وهو من المناهضين لهذا الإنسياب المقرر من جماعة الشيخ وأضحى الوجه الأول في التنظيم وسارع بإقتطاف اللحظة وانطلق في خدمة صورته على حساب أداء بطولي لنساء ورجال تونس في القطاع الصحي رغم ما لحقه من تخريب.
وهذا التوظيف من قبل الوزير النهضاوي الأقلي في تنظيمه وفي الحكومة غير مسموح به وهذه حرب داخلية تشق النهضة لكن تبعاتها تعيق الحكومة عن ضرورة تضامنها ونجاعة أدائها.
ومن تداعيات هذا الخلاف النهضاوي الضغط العالي الذي يتعرض له رئيس الحكومة بضعفه المعلوم، مما جعله يسارع بمحاولة “شراء” مساندة الشيخ وفريقه في الحكومة بتسمية مستشارين من هذا الفريق ( عماد الحمامي القائل عند مروره وزيرا للصحة في تقييمه لهجرة مئات الأطباء التونسيين أنهم سوف يجلبون العملة الصعبة كغيرهم من المهاجرين !!!)، ( أسامة بن سالم صاحب قناة مارقة عن القانون وسليل القائل بأن حركة النهضة حركة مجاهدة ومسلحة…) وهذا ما جلب لرئيس الحكومة حملة من الإعتراض والتنديد والسؤال الآن ماذا هو فاعل؟
إكراهات النهضة لا تتوقف لخدمة مؤتمرها العشرين وما قرر له من نتائج، وأهم هذه الإكراهات الإمضاء على إحداث صندوق التعويضات وهو قادم على عجل في مقررات رئيس الحكومة..ولنا عودة…

– التيار الديمقراطي العراب المفتعل للحرب على الفساد، يخوض حربا على رئيس الحكومة حتى يتموقع محمد عبو رئيسا فعليا للحكومة، ويلتقط خطأ جسيما يرقى إلى مستوى التجريم ارتكبه الفخفاخ ليقايضه على حصول عبو على سلطة الإشراف على المؤسسات الرقابية للدولة وهو موضوع الأمر الحكومي الذي وقعت مناقشته في المجلس الوزاري ليوم الخميس الماضي.
-ملخص هذه المقايضة ودون أن أطيل هي أن محمد عبو كان يومها متحوزا بتقرير هيئة الرقابة الذي يدين في فقرته الثالثة والسابعة والثامنة، على الأقل، وبصورة لا تحتمل أدنى تأويل وزيرا في حكومة الفخفاخ السيد صالح بن يوسف وأحد نواب مجلس الشعب المنتمي لحركة تحيا تونس.

خيوط هذه المقايضة
إضعاف للفخفاخ الذي سارع قبل إنجاز تقرير الرقابة بمساندة وزيره للصناعة ومحاولة تعويم الخطإ وتتفيهه وأصبح بذلك شريكا في الجرم.
إرتهان الوزير المعني بالخطأ وهو صالح بن يوسف حفيد شهيد الحركة الوطنية المرحوم صالح بن يوسف، وأحد أعلام الفكر القومي ورمز لا يمكن السماح بتدنيسه بخطإ ينسب لحفيده، والمتحكم في ذلك هو محمد عبو والمآل الذي يختاره للتقرير الذي أذن بإعداده وبهذا يرتهن موقف حليف مهم في الحكم وهي حركة الشعب التي لن ترضى لأحد رموزها التاريخيين أن يكون حفيده متورطا في الفساد..
حليف آخر في الحكم أصابته النيران الصديقة لتقرير الرقابة هو حزب تحيا تونس الذي ينتمي إليه النائب المنتفع بفساد ما توصل به من ” معلومات شفاهية وتكليف شفاهي من وزير الصناعة في صفقة الكمامات ” ، ( وهذاحسب نص التقرير ).
حزب تحيا تونس يعيش منذ مدة على وقع اتهامات بالجملة والتفصيل بالفساد، من مآل القروض الضائعة إلى افتعال حقل نوارة البترولي ومسؤولية أحد نوابه في أزمة الفسفاط…وتكون فضيحة الكمامات قاصمة لظهر الحزب إن أخذت بعدها التجريمي.
كل هذه الأطراف أخذها محمد عبو رهينة ليحاول التموقع حاكما فعليا في القصبة وهذه أيضا حرب سياسية تعيشها البلاد وهي تقاوم الوباء لكن الصراع الفعلي داخل مؤسساتها هو سياسي بالأساس ومصلحة البلاد والعباد ثانوية وعلى هامش هذه الصراعات.

بالنسبة لواقع الشعب التونسي لا بد من الإقرار بأن أزمة غير مسبوقة تتهدده رغم أدائه الرائع في هذه اللحظة المفصلية في تاريخ وطننا الغالي، مظاهر التآزر والتضحية جمعت كل أطيافه وطبقاته والمطلوب منهم اليوم حالة وعي تاريخية بنفس الروح والقوة لمجابهة تبعات هذه الصراعات السياسية المترامية الأبعاد والتي لا يمكن لهذا المقال استيعابها وإنما حاولت تقديم بعض عناوينها الكبرى بصورة عامة في سياق منتدى للنقاش نتعرض فيه لتفاصيلها وتفاصيل غيرها من الصراعات التي تشق الحياة السياسية والمؤسساتية في تونس وهي تواجه الوباء وتستقبل تداعياته الإقتصادية والإجتماعية والتي سوف تكون حاسمة، رغم أن الحكومة ورئيسها توصلوا إلى حد هذا التاريخ بما قدره ستة آلاف مليار دينارا أي بنصف المبلغ الذي اتفق كل الخبراء الإقتصاديين أنه يكفي لإجراء إصلاح هيكلي عميق ينهض بتونس بشرط إتقان حسن الحوكمة.
#لنا عودة بأكثر تفاصيل.

بقلم الناشطة التونسية: ريم بالخذيري

Share this post

No comments

Add yours