سيدي رئيس الحكومة، قبل أن تتكلم.. رسالة الناشطة السياسية ريم بالخذيري



سيدي رئيس الحكومة، قبل أن تتكلم…

فاجأني حضوركم الباهت واداؤكم المهتز عند تدخلكم يوم 13 مارس 2020 لاتخاذ القرارات اللازمة أمام وباء عالمي يطرق أبواب وطننا بل لعله أخذ مكانه بيننا وسوف نشرع، لا قدر الله، في إحصاء الأضرار.
حضوركم وقراراتكم لم تكن في قيمة الخطر المحدق وفي مستوى انتظارات التونسيات والتونسيين، كنتم مترددين وقفتم في نصف الطريق ولعلكم أردتم أو أريد لكم أن لا تظهروا في ثوب رئيس السلطة التنفيذية.
أقولها من كافة المنطلقات، قانونية أو دستورية او سياسية أنكم رأس السلطة التنفيذية في حين أن السيد رئيس الجمهورية فهو حبيس منزلقات ” احسن دستور في العالم” ولست اليوم في هذا المقال بصدد مخاطبته لأنني أدخره ليوم ذي مسغبة والحديث في ذلك بأوانه.

سيدي رئيس الحكومة، الشعب التونسي في مواجهة وباء كوني يحصد المئات من الأرواح يوميا في أعتى دول العالم وأكثرها جاهزية وانتم بماذا خرجتم علينا ؟ ما هي الإجراءات المتخذة ؟ وأين الدولة في مواجهة هذا الوباء الكوني؟
أبدأ بلفت نظركم قبل أن تخاطبوا التونسيين أن لهم الحق في الدولة الراعية ولا الدولة الحكم.
نعم المواطن الأوروبي الذي لطالما توجس من الدولة الراعية وقاومها لفائدة الدولة الحكم في نهم ليبيرالي محموم، ها هوذا الآن ينادي بعودة الدولة الراعية لسبب أساسي هو أن هذا الوباء الكوني هو سقم ومرض يحصد الأرواح لكنه بالأساس إنهيار إقتصادي مدمر علاوة على وقعه الإجتماعي والإنساني.

التأثير الإقتصادي المباشر للوباء الكوني.

– الإقتصاد الصيني الأكثر ديناميكية يسجل تراجع نمو في حدود الثلاثة بالمائة.
– الصناعة الصينية بحالة توقف وهي التي فوض لها العالم لحد ما مصيره الصناعي فيما يخص حاجياته الصناعية اليومية البسيطة والمتوسطة حتى أصبحت الصين يصطلح على تسميتها ” معمل العالم la fabrique mondiale “.
– انحسار نسبة النمو بثلاث نقاط في الصين نتجت عنه مباشرة اليوم وليس غدا خسارة نقطة في نسبة النمو في كافة الإقتصاديات الأوروبية.
– تدحرج ثمن برميل النفط اليوم إلى أربعة وثلاثين دولارا بنسبة تراجع قدرت بثلاثين بالمائة وهي مرشحة لمزيد من النزول.
في هذا السياق الاقتصادي سوف أكتفي بهذه المسلمات التي أقر بها الخبراء دون مواربة أوتجميل ولن أتعرض لحالة اقتصادنا الوطني فكلنا على علم بحالته الكارثية.

التأثير الإجتماعي للوباء.

– تعيش البشرية، مع الفوارق طبعا، طفرة من الزهو والفخار بعد الخطوات العملاقة التي قطعتها الإنسانية في مجال التطور العلمي والتكنولوجي وما تحققه يوميا من تقدم على حساب الطبيعة والقوى الغيبية والأمراض والأعراض التي كانت عاجزة عن إستكناهها.
– تستفيق هذه الشعوب على وباء يأخذ صفة القوة القاهرة وتفاجأ بأن أعتى الدول وأرقى المختبرات تصرح بعجزها على مواجهة آفة ذكية تتسلل وتتبدل وتتطور ولا رادع لها ولا واقي منها ولا رقية تنجي من بلائها.
– بعيدا ودون الخوض في نظرية المؤامرة والحرب البكتيرولوجية المعلنة او الخفية لأن المقال لا يسعها وبلادنا لا تعنيها، هذا الوباء سرعان ما أخذ مقاييس كونية وأصبح عدوا مدمرا للمجتمعات لم تعرف مثيلا له إلا في بداية القرن العشرين والبشرية آنذاك ليست البشرية اليوم.
– المجتمعات التي تعودت منذ قرن على الأقل على حرية التنقل وحرية المبادرة والحرارة الإجتماعية وعدم الإعتكاف والقطع مع الآخر وبأن على الدولة التي فوضها أن توفر للفرد كل سبل الحياة المرفهة، في حدود متفاوتة حتى لا نعمم، وأن تلتزم بتحقيق هذه النتيجة.
– هذه هي الدولة الذي عاد يطلبها الفرد والمجتمع المدني اليوم لأن العدو قاهر وسالب للحياة قبل الحقوق لأنها أساس الحقوق وأولها قداسة.

سيدي رئيس الحكومة.

أردت أن أعرض عليكم حالة عامة يعيشها العالم اليوم وأنا أعيش مع شعب كانت الدولة فيه دوما حكما في الداخل كما في الخارج لكن هذا الحالة العامة تملكته هو أيضا.
الدولة الراعية مطلوبة منكم اليوم، أنتم تقررون ونحن التونسيات والتونسيون نصغي وننفذ.
انتم تقررون الصالح بعيدا عن كل الحسابات السياسية أو التوظيف الحزبي والتنديد الأبله والظالم بانعدام الوعي الاجتماعي والحضاري.
انتم تقررون الصالح لإنقاذ الأرواح وصون الحياة، أكثر الحقوق قداسة وأولها.
أنتم تقررون الصالح دون خوف أو أيادي مرتعشة ونحن نصغي لكن دون أن تنسى، العامل اليومي الذي لا يقيت عائلته إن تخلف يوما او شهرا عن العمل كما لا يجب أن تنسى التاجر الصغير والصناعي الوطني ونسيج المؤسسات الصغرى والمتوسطة PME التي هي قوام اقتصادنا.
إن تداخل الإقتصادي بالإجتماعي أمام هذا الوباء هو الذي أحيا الوعي بالرجوع إلى الدولة الراعية وعليك إذن أن تجهز حزمة من الإجراءات الإقتصادية الراعية قبل أن تعلن حزمة الإجراءات الوقائية التي تصون بها حياتنا مع تذكيركم ضرورة.
إن الحزمة الإقتصادية مثل التعويض عن الخسائر المسجلة وتعليق الأتاوات والأداءات الجبائية والإجتماعية….خصوصا وأن دافعيها هم اللذين سيكونون في مواجهة الخسائر وهم الطبقة الوسطى النشيطة التي ستنطلق في البناء بمجرد مرور الزوبعة.
إن هؤلاء هم العاملة والعامل، صاحبة وصاحب المؤسسة الصغرى والمتوسطة، التاجرة والتاجر والصناعي الوطني والفلاح الصغير والمتوسط الذي يرزح تحت القروض…وكل الفئات التي لن تستطيع بمفردها الانقطاع عن الإنتاج او العمل دون الدولة الراعية ودون السيولة اللازمة لخلاص الشاغلين لديها قبل احتساب ربحها.
أذكركم كذلك بأن هؤلاء سوف يكونون في حالة فقدان السيولة المالية cash-flow ويمكن بل من المؤكد أن تؤدي إلى إفلاس متسارع يقضي على ما تبقى من إسمنت هذه الدولة لا قدر الله.

سيدي رئيس الحكومة أضع امامكم هذه الملاحظات قبل أن تتوجهوا في الساعات القادمة إلى الشعب التونسي وهي مسائل بديهية أردت أن أعرضها لكم وللقراء حتى لا تستمع، وهذا حدسي فيكم، للوسواس الخناس في القصبة وهو يقول لكم تلك قرارات موجعة ولا بد من أخذها ولكل معركة من أضرار غير مباشرة dommage collatéral.

“في هذه اللحظة العصيبة من تاريخ تونس عليكم الانتباه إلى أن هذا الوباء العالمي سوف يغير الكثير من الموازين و المفاهيم و سوف يغير المجتماعات و أتمنى عليكم سيدي الرئيس الحكومة أن تكونوا واعيا بأن حزمة القرارات التي تتخذونها لصون الحياة في بلادنا هي واجبكم فأنتم السلطة ، في حين أن حزمةالقرارات التي ينبغي أن تسايرها لحفظ الإقتصاد الوطني من الإنهيار هي حق لنا عليك أيضا”

لوزان الإثنين 16 مارس 2020
ريم بالخذيري
ناشطة سياسية

 

 

Share this post

No comments

Add yours