صوت الضفتين : قراءة نقدية للمجموعة النثرية الاولى”هويتي عشقي”للكاتبة التونسية زليخة عوني بقلم الشاعر الدكتور محمد عباس الطاف



لقصيدة النثر ايقاعها الخاص و موسيقاها الداخلية ، و التي تعتمد على الالفاظ و تتابعها ، و الصور و تكاملها ، و الحالة العامة للقصيدة . و كما يقول الشاعر اللبناني أنسي الحاج – أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية ان لم يكن اهمهم – عن شروط قصيدة النثر >> لتكون قصيدة النثر قصيدة حقا لا قطعة نثر فنية ، او محملة بالشعر ، شروط ثلاث
الإيجاز و التوهج و المجانية
و في ورقة بحثية بعنوان { قصيدة النثر …. تقنيات النص المفتوح و جمالياته } قال الدكتور يسري عبدالله ان << رهانات الفعل الشعري تطمح ان تكون مصبوغة بطابع البحث عن خصوصية جمالية عربية تنتقل بالقصيدة من تبعيتها الذهنية ،و استلابها الجمالي صوب أفق يخصها ، هذه الخصوصية التي بدأت قصيدة النثر في تلمس ملامحها ، يمكن النفاذ الى بعض منها حال استقراء بعض نصوصنا العربية الجديدة . << و شاعرتنا صاحبة الديوان الجديد لها قصيدة تتمرد بها على أنماط الشعر التقليدية : فنقول في قصيدتها ( حياء و خجل ) : يا من توازنون بين القوافي تبدعون بالمراوغة ترتبون الحروف للسخرية تنحازون للمعاني تزخرفون و بالورود تلفونها توزعون الابتسامات كصوت اجوف لا احساس فيه اطلقوا عنان العفوية حرروها من رواسب علتها إن الحب كيفما كان و أينما كان حياء و خجل و موعد كالموت يأتي فلا نعرف له أجل و الشاعرة زليخة صالح عوني ، شاعرة تونسية تكتب الشعر الفصيح الحر و لها بعض المحاولات بالعامية التونسية و المصرية و قد نشرت اعمالها الكترونيا و ورقيا في عدة مجلات ادبية متخصصة كما انها شاركت في العديد من المنتديات و المهرجانات الثقافية و الأدبية بعدة بلدان عربية و بمقدمتها تونس و مصر بلدها الثاني . و عن ديوان ( هويتي عشقي ) للشاعرة التونسية أ..زليخة عوني فإننا نقول : إنها تنتهج منهج قصيدة النثر حينا و الشعر الحر حينا آخر ، فهي تلك الأنثى المتمردة على النمط الممتلكة لزخارف اللفظ و التي تعبر بجرأة شديدة و إحساس مبهر عن مشاعر أنثى فاض بها التيه و العشق حتى اضحى صرخة مكتومة حينا و غير مكتومة في احايين اخرى . و قد اختارت الشاعرة زليخة عوني عنوانا ملفتا و جذابا و شجاعا و هو ( هويتي عشقي ) و هي من وجهة نظري هجوما نفسيا على العادات القديمة للشعر الشرقي الذي لم يعط للمرأة الشاعرة ما يكفيها من حق و تكريم مستحق ... لذا فاننا أمام معركة شعرية فكرية و ثقافية تقودها شاعرتنا أمام جحافل الشرقيين الذين يجعلون الأنثى الأم في مصاف الدرجة التالية للرجل خصوصا في منطقة الأدب و الفن . أما عن قصائد الديوان الذي بين أيدينا ( هويتي عشقي ) لشاعرتنا التونسية المنشأ فإن بعض عناوين قصائدها تشتق من لفظ العشق مثل ( نغمات العاشقة ) / ( انت و سكون العشاق ) / ( عيار العشق ) / ( عشقي و الطبيعة ) .... كما أن الديوان كله يمر إزاء الحب بكل معانيه بقلب شاعرة فتية . و من منظور اللغة فإن لغتها تعد سهلة ممتنعة ... تنفرد بمفرداتها و تزخم بالكثير من التنوع و تتوارد فيها أفكار بكميات كبيرة تتناسب و موجات المشاعر .. فتعلو حينا تنخفض حينا محدثة صدمات فكرية كأنها انتقام لغوي ممن أثار كوامنها فلم يطفىء جاوة المشاعر التي فتحت على مصراعيها . و من منظور التراكيب فنجد أنها تستخدم جملا صغيرة كأنها تطريزية متساوية الأضلاع و مرتبة الحروف ... فتخترق القارىء أصوات الأنثى الناعمة تارة و تارة تكون براكين الغضب ... لذا فإن شاعرتنا لديها الكثير الذي تحاول خوض تجربة الشعر به و فيه فلا ننتهي من قصيدة حتى نجد شغفا لما بعدها كأنها سلاسل مركبة من القصائد و المشاعر . و من منظور اللحن و الايقاع ... فإن الشاعرة عازفة منفردة تخطو بقصائدها مثل عزف الفلوت المنفرد فترسم لنفسها خطا رأسيا من الموسيقى ذات الأنفاس المتلاحقة و التي تشد قارئها ليلتهم السطور و يبني في مخيلته قصورا مماثلة لتلك التي تبنيها الشاعرة في نفسه ، فيجد نفسه أسير هذا البنيان الشعري البسيط البناء و الذي يحوي احتراف الأنثى في مزج اللبنات البسيطة لإخراج لوحات فريدة. و من منظور الاغراض الشعرية فإن الديوان تغلب عليه أنماط الرسائل الموجهة و التي تفننت الشاعرة في إخفاء خصوصياتها و بث روح العمومية فيها حتى تستطيع سبر أغوار العشق العام و تحويل القصيدة من المحلية الى العالمية فتكون القصائد رسالة الىالانسانية و ليست الى الأفراد . و من أمثلة القصائد التي تمتلك عصب الديوان ... قصيدة ( حواء ) و التي تعبر فيها عن ذاتها و الجذور للأنثى / الأم / الحبيبة فتقول : حواء العاشقة الفاتنة بلا نهاية .... و تقول فيها أنا عليسة و أنا ليلى سلمى و جولييت الاميرة و الفقيرة أنا كل الوان النساء .... كما يكثر في قصائد ديوانها ( هويتي عشقي ) ذكر لونها الاسمر الذي تعتز به ، فترى فيه النموذج الأبقى و الأكثر تفردا و سلطة ... فهناك قصيدة ( سمراء ) و تقول فيها : لونها من لون العسل سمراء و في قصيدة ( أحبك ) تقول : أحبك أحب الدلال صفني غزالة سمراء و في قصيدة ( حواء ) تقول : أنا أجمل الجميلات أنا من تفتن قلبك بالجنات و بالويلات أنا السمراء و أيضا : انا المغرمة الشقراء و العاشقة السمراء و في قصبدتها ( نغمات العاشقة ) تقول : عدلت نوتة الطرب من شرقي لغربي عزفتها الصبايا العذارى بين شقراء لؤلئية لسمراء مخملية و في قصيدة ( حين يتكلم ) تقول : من تلك التي يتكلم عنها من سيدة الخرافات يبتسم في سخرية لافتة لونها من لون العسل سمراء و في قصيدة ( أنت و سكون العشاق ) تقول : تنحني جنونا عند أقدام عاشقة سمراء و في قصيدة ( آدم ) تقول : أيها الاسمر عيناك و سحرهما الأبدي يرويان حكاية سرمدية و تقول فيها ايضا : لا تطلق علي -أنا العاشقة السمراء- سمار محياك و في قصيدتها ( تلك الشقراء ) نجد وصفا رائعا و مقارنة بديعة ... تنتصر للسمار فيها فتقول : أيتها الشقراء يداك مثل قطعة الثلج بياضا ناصعا يتحلى بقطرات الدم عند الخجل ثم تقول فيها : أنت سحر يأسر القلوب و إنني سمراء تاسرني الأحاسيس و في قصيدة ( أشواق الحروف ) تقول : يا لي من لهفة العشق المفتون من تشابك السين بالنقاط و تطويع الكف للهمزة لتغرق في شجون ألف مقصورة من حروف تغذي العشق و أشكال ترسم اللقاء يا لي منك و من عربدة عاشقة سمراء و في قصيدتها ( عشقي و الطبيعة ) تقول لنا : أنا العاشقة السمراء انا الملهمة الشقراء كما تتميز قصائد شاعرتنا المبدعة الرفيعة بحبها للموسيقى و لا شك ... اذ إنها تصاحب الفاظا موسيقية في معظم قصائدها ... فتقول في قصيدتها ( الحرف- سفري- ترحالي- ) تقول : اغوص بكأس السلطان استلهم منه جواهر الألحان و في قصيدتها ( انتقام حواء ) تقول : من سجايا التاريخ الآتي الحن أعذب الأغنيات و في قصيدى ( كلمة ) تقول : امني نفسي بتعابير مترفة تعزف بالأغنيات و في قصيدة ( أحبك ) تقول : اسمي يذكرك حبا بأعذب الألحان و في مطلع قصيدتها ( نغمات العاشقة ) تقول : صهلل المزمار اطرب و شنف الآذان حتى الدف نشوان ثورة داعبها الكف يمينا يسارا صفقت لها أوتار الناي ترنح لها العود الشجي و استرسل العزف بمنتهى الغاية لحنا يثير السجايا دونته روح شغوفة عدلت نوتة الطرب عزفتها الصبايا العذارى و تقول في قصيدتها ( امرأة من خيال ) : أو تتركين محرابي و تفضلين ارتواء التراب تفضلين الاستماع لعزف قدميك فهي حقيقة تعبر عن ديوانها حين تقول آخر قصيدتها المسماة ( اختيار ) إذ تقول : فأنا موجة البحر هادئة مجنونة بكل الاحوال نبارك لشاعرتنا التونسية المتألقة الأستاذة زليخة عوني مولودها الفني الأول ( هويتي عشقي ) و نتمنى لها المزيد من التقدم و الصعود نحو عنان الفن . د. محمد عباس الطاف .... عضو اتحاد كتاب مصر 26 يناير 2019

Share this post

No comments

Add yours