عن المهاجر تحدثنا رمال الفلاح : ليت الشّمال يطفئ ظمأ شبابنا



ما إن ينزل اللّيل سكونه، حتى ينطلق هدير محرّك المركب المطّاطي يشقّ هدوءه، في رحلته نحو الضّفة الأخرى من مياه المتوّسط، حامل معه أمال وطموحات شباب في ريعان العمر جمعهم الحلم الأوروبي بالحياة الفارهة والسيّارات الفخمة مثل لاعبي كرة القدم المشهورين.  شباب كلهم أمل بتحقيق قصص نجاح تروى على مسمع صغار الحيّ ذات يوم، تحذوهم رياح الشّمال المغرية تحملهم لأرض الميعاد.

رحلة على كفّ الموت بين أمواج كالجبال الرواسي، ترفعهم حينا ليلامسوا نجوم السماء ويحلموا بالنعيم وترميهم أخرى بين غياهب اليمّ حتى ليتمنّوا أن يرجعوا لجحيمهم سالمين، قلوب واجلة لم يسمع نبضها الدكتاتور ولا حكوماته المتعاقبة ولم يرأف بها الذلّ ولم يرحمها الفقر ولا المسكنة.   لم تجد لها سبيلا غير ملكوت خالقها لتعبره قبل أن يغيّبها الجوع والعطش. قلب صغير يضخّ الدماء بعنف، في ركن قصيّ من المركب، يرّدد قاع المتوّسط صداه وهو يهمس في أذن القدر أن يرأف لحاله ويرميه على رمل الشّمال.

فرغم أبواب الأمل التي إنفتحت مع الثورة سنة 2011، إلاّ أن الشّباب التّونسي لازال يعتنق ثقافة الرّحيل عن الديار بحرا، جوّا، غرقا، حرقا… “كلّها تهون أمام الوصول لأرض الأحلام” قالها بصوت يرتجف من هول الرّحلة نحو العالم الآخر الّذي فصلته عنّه وسائل الإعلام بأميال من الدّيمقراطية وسنين من الحياة الفارهة الهنيّة.

عالم يسيل له لعابه بعد أن تمكّن به داء البطالة رغم سنوات التّألّق والنّجاح وعدد لا يحصى من نصف الورقة التي يخطّ عليها بداية كل سنة إسمه ووظيفة والده ليصنّف بعدها بأهواء المدير ونزوات الأستاذ ويدقّ طموحه حتى يطحن ويذروه رمادا على عينيه.

على حين غرّة منه، إكتست الأمواج ثوب الغدر وقلبت القارب الغرّ ليضرب قاع المتوّسط الذي كان أزرق وهادئ يغريه بعبوره نحو الجنّة، وإنقلب قاتما معربدا كاشرا عن أنياب الشر. تعالت صيحات الحناجر وتخابطت الأيادي وسط صحراء المياه أملا في النّجاة.

صاح بكلّ قوّته المتبقّية بعد ثلاث أيام من تركه اليابسة، وتراءت له بين عينيه حياته السابقة، يختنق بالماء فيرفع رأسه بقوّة لينادي ربّه لعلّه به يرأف، يغرق ويصعد باكيا أمّه التي لم يودّعها، باكيا وطنه الذي وإن قسا عليه لم يحرمه الهواء ليتنفس ولا المأوى ليقطن ولا الماء ليشرب، باكيا حبيبته التي تنتظره ليعود ويبني بيت الأحلام لهما.

غرق وإستقرّ بقاع بحره بين جثث آلاف التونسيين ممّن فرّوا طلبا للمال والحريّة، آلاف العرب من دفعتهم الحروب في سوريا وليبيا للبحث عن الوطن، لآلاف الأفارقة جنوب الصّحراء ممّن فرّوا من الجّوع والعطش. إستقرّت جثّته بين شعب المرجان وصعدت الروح لبارئها أملة في أن يطفو جسدها وتلقفه خفر السواحل لعلّ أيادي أمّه تلمسه فتباركه لينعم في رحلته نحو السماء.

ركب البحر ومعه حلمه بأن يعود ذات يوما لحيّيه بسيّارة أوروبية ومبلغ محترما في البنك، حلم رغم بساطته لكثير من شباب العالم المتقدّم إلا أنه أقصى مطالب شبابنا. سببا دفع قرابة 22 ألف شاب تونسي لسواحل إيطاليا منذ الثورة التونسية 2011،  في مواصلة منهم لأداء طقوس الرحيل لتصبح وكأنها موجات هرب وظاهرة نفور جماعي .

” فإن من الهجرة أنواع إما تهاجرلامرأة تشتاق إليها، أو مال تجمعه، أو نفوذ تبنيه” … لخّص الكاتب في هاته السطور أسباب الهجرة التقليدية إن صحّ وصفها،  لكنّنا اليوم نواجه الهجرة القسرية بسبب الحروب والنزاعات، بل نواجه هجرة الأسر كاملة شيبها وشبابها هربا من الإستبداد والضيم.

أصبحنا نهاجر لنبحث عن حياة، عن أمل، فيحتضننا البحر بين أمواجه لننام في قاعه بهدوء قبل أن تسحبنا أمواجه الحانية نحو أحد الشطوط لينال الأكثر حظا منا صندوقا خشبيا وعائلة توّدعه في جنازة يبكيه فيه الوطن، وليذهب الآخر طعاما للحيتان أو يهترئ بملح البحركأنه لم يكن،  دون وثائق رسمية ولا أوراق هويّة تعبّر عنّه وتعيدنه للذاكرة إن مات.

وبرغم إنتشار ثقافة الهجّرة في كل أنحاء العالم من قديم الزّمان إلا أنّ الجانب الأوروبي ،جنّة شبابنا، الأكثر إستقبالا إذ قدّر عدد الوافدين سنة 2018 بـ150 ألف، أغلبيتهم من دول شمال إفريقيا، الضفة الجنوبية للمتوّسط والمضخّة الأكبرللهجرة غير الشرعيّة،  بإعتبارها النقطة الأقرب.

حيث أفاد تقرير سنة 2018 السّنوي أنّ العدد الأكبر من المهاجرين وصلوا لأوروبا عبر المسلك الغربيّ للبحر المتوسّط وأغلبهم كانوا من المغرب والجزائر، ومهاجرين من جنسيات أخرى من جنوب الصحراء الكبرى الأشد قحطا وجفافا في العالم، قطعوا أميالا في رحلتهم الأولى هربا من السّراب إلى المياه الحقيقيّة.

وحسب تقارير أوروبية فإنّ 618780 مهاجرغير شرعي يقيم بدول الإتّحاد الأوروبي سنة 2017 قدموا بطرق شتّى، دفعوا من أجلها الغالي والنفيس لتطأ أقدامهم جنّة اللّه على أرضه، ركب بعضهم البحر والمحظوظ منهم قدم جوّا أما الأقلّ حظا فقد رماه قدره قرب أسوار المدينة الفاضلة ليجيئها ماشيا على قدميه الداميّتين.

رقم مفزع ومهول يمثّل ما نسبته 37 بالمائة من غير الأوروبيّين أي ما يفوق الثّلث، يتهدّدهم خطر التّرحيل والعودة نحو الجّحيم الذي هربوا منه في أية لحضة، من قبل السّلطات الأوروبية التي إتّخذت قوانين وإجراءات صارمة في كل الدول تقريبا، لمسح أثر غير القانونييّن وتسليمهم لبلدانهم حتى أخر نفر منهم، فيرضى بعضهم بقدره ويعيد آخر ركب الأهوال ومعانقة رمال الشمال مجددا.

تترأس ألمانيا الدول الأوروبيّة لإمتلاكها أكثر عدد من المهاجرين الغير نظامييّن إذ يبلغ عددهم 156710 مهاجربإعتبارها من الدول الأكثر رأفة في قوانينها فيلجؤون لها لعلّ قلب ميركل يحنو عليهم بإقامة سنويّة تعيد لهم الحياة. تليها فرنسا بما يفوق 150 ألف، فرنسا ّالتي أصبحت أكثر تشدّد وصرامة رغم أنها وجهة أحلام المغاربة الأولى.  ثم اليّونان وإسبانيا وبريطانيا بنسب متقاربة بمعدّل 51 ألف لكلّ منها بإعتبارها وجهات جديدة ومنافذ للقلب الأوروبي ، ليكون لها مجتمعة نصيب 71 بالمائة من مجموع المهاجرين غير الشرعييّن بالإتحاء الأوروبي.

وقد إعتمدت دول الإتّحاد الأوروبي مؤخرا شروط قبول صارمة عبّرت بها عن رفضها لإحتضان المهاجرين غير الشرعيين رغم حبّهم العذري لها ليعيشوا قصّة حبّ من طرف واحد مع أنثى متغطرسة متعالية، إذ رفضت إسبانيا لوحدها سنة 2017 ما يفوق 203 ألاف مطلب دخول لأراضيها أي ما يقارب نصف المرفوضين في كل الإتحاد الأوروبي المقدّر ب 440 ألف وكأنها تغلق المسار الغربي للهجرة وتقمع آمال من إعتبروها بوّابة جديدة للعبور للحلم الأوروبي.

وبالرّغم من تلك الأعداد المهولة التي تصل للتّراب الأوروبي إلا أنّ 2262 مهاجرا لقوا حتفهم في مياه المتوسط لسنة 2018 أغلبهم من جنسيات إفريقيّة سواء عربية أو من جنوب الصحراء وقعوا ضحايا جشع السماسرة وقراصنة البحر وتأخّرت سفن الإنقاذ الدولية الّتي حجبتها عنهم السلط الإيطاليّة عن إنقاذهم. رقم مفزع لسنة واحدة يطرح عدّة تساؤلات حول مصير دولنا التي لازالت تنزف شبابا وتهدر منها طاقات عاملة كبرى ترقد بين الطّحالب.

يجمع محمود درويش كل رحلات الهجرة في العالم منذ قديم الزمان إلى حاضره في سطور قال فيها “ليست الهجره إلغاء للوطن ولكنها تحويل المسأله إلى سؤال . لاتؤرخ الآن، حين تفعل ذلك تخرج من الماضي، والمطلوب هو أن تحاسب الماضي .لاتؤرخ إلّا جراحك لا تؤرخ إلا غربتك، أنت هنا،هنا حيث ولدت وحيث يأخذك الشوق إلى الموت وما هو الوطن” … لأنه وإن لملمنا نزيف شبابنا من البحر إلا أن قدر الهجرة عليهم مكتوب، فواقعنا المليء بالخوف ومستقبلنا المجهول وإقتصادنا العاجز لن يزيدهم إلاّ هربا فالبحر أمامم والفقر ورائهم .

 

رمال الفلاح

 

 

Share this post

No comments

Add yours