كورونا “إرهاب بيولوجي”.. أي سلاح لمجابهته؟



صوت.الضفتين_ الطاهر سهايلية_”كورونا” يبث الرعب والارتباك، خرق الحدود ومزق منظومات صحية طالما تغنت بها دول في قنواتها الإعلامية، أسقط كبرياء القوى العظمى التي تحكمت بدوران الكرة الأرضية، وفشلت في صد موجة “فايروس” قاتل لا يرى بالعين المجردة.

وضع فايروس “كورونا” الدول العظمى في خانة دول صغرى، يأكلها الوباء واحدا واحدا، وتسلل إلى قصور أنظمتها الحاكمة، وفضح نواياها الخبيثة، لم يبق أمامها سوى الاستسلام في القريب العاجل، وإدراج ترسانتها النووية في أرشيف الذاكرة.

سقطت مصداقية التحالفات الدولية، ولم يعد أحد قادرا على حماية أحد، عالم مفكك في حقيقته، وما التحالفات إلا تكتيك فاشل في مسار إستراتيجية لم تصل مبتغاها في زمن كورونا.

كانت الدول تتسابق نحو التسلح، وتتفاخر به،  واليوم هاهي تتسابق نحو اكتشاف لقاح يعيد الحياة للأمم تتهالك اقتصاديا واجتماعيا، فمن يصنع الدواء هو الذي من سيتحكم في مصير العالم من جانبه الصحي، بعد أن أصبح يعيش تحت رحمة أصحاب البذلة البيضاء.

العالم العربي يقف مرتبكا أمام أزمة صحية عصفت بالعالم أجمع آكلت الأخضر واليابس تضرب الفقير والغني، الرعية والحاكم، الملوك والسلاطين لا تستثني أحدا حين، ووضعت حدا للكبرياء والغطرسة.

العالمان العربي والإسلامي يعيشان حالة من الشتات والتمزق بسبب الحروب والصراعات والتدخلات العسكرية إلا أنه كما يقال القائل “مصائب قوم عند قوم فوائد” فربما كورونا سيعيدها لوعيها وعقلها الشارد ولمكانتها بين الأمم، فعندما شعرت بخطورته، أعادت حساباتها فتراجعت لغة التصعيد والقصف تدريجيا بعد أن أصبحت أراضيها ساحة لسفك الدماء، أرهقت كاهله وجعلتها هشة ورخوة.

في ظل هذا التحدي الراهن تجددت الثقة بالنخبة العلمية العربية، إذ نتطلع لعودة عقولنا الطبية المهاجرة فهي اليوم أمام “فرصة تاريخية” لإثبات وجودها ورفع الراية العربية عاليا، لطالما امتلكت الأدمغة العربية الموجودة في المخابر الغربية قدر صد مخاطر هذه الحرب البيولوجية التي سيكون للإنتلجينسيا العربية نصيب مما ستقدمه لإنقاذ البشرية من هذا الوباء الفتاك.

  • العلاقات الدولية ما بعد كورونا

يواصل العالم اليوم حربه مع كورونا، العدو الذي سيغير مجرى التاريخ كما سيغير مسار العلاقات الدولية، وسيعطي للعالم مفاهيم جديدة للديمقراطية خاصة عندما شهدنا أعرق الدول الغربية الإستنجاد بجيوشها وأجبرت شعوبها على البقاء في المنازل باستعمال القوة الصلبة .

التغير المحتمل في العلاقات الدولية، بدايته ستكون من القارة العجوز، فأوروبا التي تنكرت على نفسها، وعلى من علمها الفن والموسيقى أصبح اتحادها محكوما عليه بالنهاية بعد أن أفرط في ليبراليته المتوحشة، فإيطاليا التي تخلى عنها الاتحاد الأوروبي في أول لحظة لا شك أنها ستخطو خطوات في الإتجاه المغاير (عكس التيار) بعد الأزمة، فحسب المختصون يُتوقع أن تربط روما بعد كورونا علاقات قوية مع الصين وروسيا وكوبا أكثر من جيرانها.

أما على صعيد الإقليم المغاربي، فالتحدي الراهن الأخطر يدعونا لتفعيل دور الإتحاد المغاربي، من أجل إرساء قاعدة التكامل في واجهة جائحة “كورونا” المستجد، إذ أضحى من الضروري إطلاق مبادرات دولية لمعرفة الأفاق والمخاطر والمستقبل القريب، لأن الأوبئة ستغير الأنظمة السياسية والتاريخ والشعوب والثقافات والعلوم وكل شيء وستصنع حياة أخرى جديدة عن تلك التي عشناها قبل الجائحة.

  • “إذا وجدت الجراحة متطورة فأعلم أن الطقس متخلف”

لا يختلف اثنان، في أن أقوى خط في العالم اليوم هو ما يسمى شرطة العالم التي تعتبر أيضا أقوى سلطة وأخطرها على البشرية في نفس الوقت “سلطة الأطباء والبيولوجيين أصحاب “البذلة البيضاء”. هذه الفئة التي تعيش البشرية تحت رحمتها منذ أشهر وهي فئة ستعيد مكانتها وستصبح أولوية الأولويات بعد أن تقضي على هذه الوباء وطبعا لا يمكن أن نقضي على هذا “الفيروس” إلا عن طريق العزل وهذه الطريقة معروفة منذ القدم.. فالعارف والباحث في خبايا التاريخ، يدرك جيدًا أن “الأوبئة على مر التاريخ كانت دائمًا تحارب بالعزل وهذه الطريقة تكون بمساعدة الإنسان عن طريق عزل نفسه والالتزام بالقواعد الصحية التي نصت عليها منظمة الصحة العالمية، لأن العلم وحده أكد لنا أنه غير قادر على مجابهة هذه الأوبئة دون مشاركة الإنسان طبعا بوعيه. يقول القائل لماذا؟ لأن الإنسان تنكر للطبيعة ولوثها وهي اليوم تجددت وتطورت وتمردت بعد أن أصبحت قوة مستفحلة في البشرية نفسها، لحين أدرك هذه الاخيرك أنها أصبح عدو لنفسها.. “فالإنسان بطبعه شرير  ومتوحش كما يقول هوبز”. 

  • محل الجزائر من جائحة كورونا

  لا يمكن أن نتحدث عن الإرهاب البيولوجي الجديد  “كورونا” وهجومها الشرس دون أن نتطرق للجزائر، البلد الذي لا يزال يبحث شعبه عن الطريق المؤدي نحو المستقبل البعيد، نحو دولة الحريات والديمقرطية. الجزائر اليوم من بين الدول التي أصابها هذا الفيروس وهي تعاني من هشاشة في منظومتها الصحية فهي ليست بحاجة ليكشف كورونا عن حقيقة وقوة مؤسستها الصحية، ولكن، الحقيقة أن الجزائر تملك أطباء وكفاءات أثبتوا جدارتهم في الخارج نظرًا لتوفر الظروف والمناخ وغياب تلك العوامل بالداخل، تملك أطباء لكنها لا يزال نظامها الصحي متخلفا مثلما تملك آلة دبلوماسية قوية ولكن اقتصادها وسياستها الداخلية متخلفة.

المعروف أن الأوبئة أينما حلت إلا وتركت وراءها ضحايا وخسائر وديون، نعم ستكون تكلفتها باهظة جدًا على السياحة والنقل والإعلام والتعليم وعلى الاقتصاد الوطني الريعي ككل خاصة وأن هذه الأوبئة تزامنت مع تهاوي أسعار الذهب الأسود.  

لقد همشت الحكومات الجزائرية المتعاقبة النابعة من أنظمة الفساد والإستبداد، كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والصحة والبيئة، ولهذا وجب على الحكومة الحالية والتي ستخلفها بعد أن نقضي على هذا الوباء وسنقضي عليه بوعي شعبنا، وجب أن نعيد النظر والحسابات والأولويات في توزيع وتسيير الميزانية العامة، أن ُتضخ لها نفس الميزانية التي تضخ للجيش خاصة وزارتي التعليم والصحة، لأن الجزائر الجديدة ليس بحاجة للسلاح بمختلف أنواعه حتى ولو كان نوويا بقدر ما هي بحاجة للعلم والمعرفة والبحث وتحرير العقول والخروج من الوصاية، لأن الحروب المستقبلية التي كما نعيشها هي حروب جرثومية ضد الفيروسات.

هذه الأخيرة تجعلنا نطرح عدة إستفهامات حول الديمقراطية الجديدة في الجزائر؟ كيف نحمي الشعب وكيف نوفر له الأمن والغذاء؟ وكيف نحمي حدودنا البرية والبحرية والجوية بعيدًا عن الاجتماعات الشكلية؟ ولنتعلم من التاريخ أن الأوبئة أسقطت إمبراطوريات وصنعت أخرى، وهجرت شعوب وجددت حضارات وثقافات.

المتابع لمجريات الأحداث المتسارعة في الجزائر وغيرها، يلاحظ أن وزارة الصحة والمؤسسات الأمنية والاجتماعية تتصدر المشهد الراهن، وتتصدى بما توفر لها من إمكانيات وقدرات لهجوم فايروس كورونا القاتل، ومنع انتشاره الكارثي، هذا ما يدعونا إلى تعزيز قدرات المجابهة بإعادة تأهيل المنظومة الصحية والاجتماعية والاقتصادية، ووضع الخطط الأمنية التي تتكافأ مع خصائص التحدي الذي نجابهه الآن بوسائل دفاعية ليس إلا.

مقال رأي:  للصحفي الجزائري/ الطاهر سهايلية

 

Share this post

No comments

Add yours