ما بعد كورونا أو ما بعد التحالفات الكلاسيكية!!



صوت_الضفتين_ يقول المفكر العسكري الصيني صن تزو: “التفوق الأكبر يتمثل في كسر مقاومة العدو دون قتال” هي عبارة افتتح بها آندري كوروبكو كتابه الصادرة في نسخته العربية لسنة 2019، بعنوان الحرب الهجينة المقاربة غير المباشرة المتكيفة لتغيير النظام، ربما بالصدفة اختار هذا المفكر الصيني، لكن هل من الصدفة أن يستشعر الجميع بوادر تغير كبير في النظام الدولي، والمشكلة هي الصين؟ أنا لا اعتقد ذلك، فهل تتحول الصين من ضحية إلى جلاد، ومن أكبر خاسر إلى المستفيد الأول، من وباء خرج منها، ثم سرعان ما تحكمت فيه، و أوقفت هجومه، وأصبحت تتفرج على العالم وهو يتخبط من أجل إيجاد حل لوباء أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة فالموت في كل مكان، لكن لا أحد يعرف القاتل ولا كيفية التعامل معه، قاتل أجبر أكبر تكتل دولي في العالم، على أن يعلن عجزه، ويترك كل دولة تواجه مصيرها لوحدها، أليس من حقنا أن نقول أن كورونا، لم يؤثر على الأمن الصحي العالمي فحسب، بل جاء ليعيد رسم الخريطة السياسية للعالم، ويعلن أفول قوى ويعلن ميلاد قوى جديدة؟

*الصين تختبر العالم

في شهر ديسمبر من عام 2019، تعلن الصين عن تسجيل أول حالة لفيروس كورونا المستجد، كوفيد.19 في مدينة ووهان الصينية، لكن لا أحد يتحرك في العالم، وتواصل الصين رحلتها مع الوباء، الذي بدأ يتفشى بطريقة رهيبة في المقاطعة الصينية، وآصبح له ضحاياه في كل يوم، الصين تواصل وحدها محاربة الوباء، والعالم يعتقد أنه مجرد فيروس محلي أو موسمي سرعان ما سيتم التعامل معه، وأن الصين لن يعجزها فيروس واحد، لكن المشكلة تتفاقم، والأطباء الصينيون يحذرون، والمشكلة لا الصين ولا العالم كان يدرك أن هذا الفيروس قد بدأ من ووهان الصينية، لكن لا يمكن معرفة أين سيتوقف، أو كيف سيتحرك.

يناير 2020 الفيروس في كل المقاطعات الصينية، والمشكلة أنه معدي ويمكن أن يتطلب الأمر أربعة عشر يومًا، حتى تظهر الأعراض، والمشكلة الأخطر أن ووهان الصينية، تصدر الحاويات لكل لدول العالم، وأن هذا الفيروس يمكن أن يبقى لأيام أو لساعات على الأسطح المعدنية والبلاستيكية، وعلى اليدين، والملابس، وفي شهر يناير، الفيروس القاتل يحط الرحال في أمريكا وأوروبا، ومنظمة الصحة العالمية لا تتحرك حتى مارس اآذار لتعلن عنه جائحة عالمية، الصين عرفت أن العالم تخلى عنها، وأنه تركها تواجه مصيرها لوحدها، لكن حكمة الصينين قررت ان يذوق العالم كله مرارة كورونا المستجد، وربما قررت هي أن توقف حفلة الموت، وتنقل الاحتفالات إلى العالم.

* الصين تشل العالم ثم تتحرك هي بحرية فيه

الوباء القاتل، مجهول الأسباب، ضبابي الأعراض، ينتقل إلى أوروبا، ويبدأ رحلة البطش هناك والفتك، عشرات الإصابات، في أيام معدودة، لكن الكل يتجاهل ويتعامل باستهتار، الصين تحذر من خطورة الأمر، ومنظمة الصحة العالمية تسير على نهجها، لكن الأوربيون غير ابهين بما يحدث، ربما كانت الصين في هذه المرحلة تعمل على نقل اللعبة من الصين إلى الساحة الاوربية، حيث أصبحت إيطاليا أكبر ضحايا كورونا، تليها إسبانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى بريطانيا، أليس هذه الدول هي قلب الإتحاد الأوروبي؟ وعماده؟ الذي إذا إنهارت، انهار بعدها الإتحاد الأوروبي، مثل حبات الدموني، المشكلة أن بوادر التخلي عن البعض، قد تجلت بمجدر استفحال الفيروس في ايطاليا، إذ تخلى عنها الجميع، وبدأ كل دولة تعاني وحدها وتخطط وتفكر وتبحث عن الحلول ولحدها، لم يعد للاتحاد ولبروكسل أي دور في اللعبة، تعطل البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي، وأصبحت كل دولة تحصي ضحاياها لوحدها، وتنعى موتها، كما أن الأمر قد وصل إلى الولايات الأمريكية المتحدة، وبذلك خسرت أوروبا أكبر حليف ومعينا لها.

* الصين تشل العالم

في الوقت الذي وصل فيه الفيروس إلى ذروته في أوروبا، نجد الصين تتحكم في انتشاره، ونجد الحياة تعود فيها من جديد، المستشفيات الخاصة بالوباء تغلق ابوابها، وتلاميذ ووهان يعودون للدراسة، والصين تعلن عن عدم تسجيل أي اصابة جيدة، والموت يتوقف في الصين، لكنه انتقل إلى بعض الدول الأوروبية، خاصة إيطاليا، التي تعاني من تبعات انضمامها للاتحاد الأوروبي، وهي تكتشف مع الفيروس انها وحدها أيضا في مواجهة الفيروس ومواجهة الموت المحق، للألاف من مواطنيها، بينما لا يد تمتد اليها من بروكسل، والعالم الغربي كله يتفرج، الرأسمالية الغربية تأكل بعضها، وفي نفس اللحظة تأتي المفاجئة من المعسكر الشرقي، حيث أعلنت كل من الصين وروسيا وكوبا، عن تقديم مساعدات طبية ومالية لإيطاليا، وأرسلوا فرقا طبية لمواجهة كورونا، بينما تسمر الإتحاد الأوروبي في مكانه، منتظرًا الحل من السماء.

* الإتحاد الأوروبي ماذا خسر؟

نعم الصين قد تفوقت على الغرب، وعلى الاتحاد الأوروبي دون قتال، وشلت حركته، و أثبتت أنه مجرد كيان وجسد بلا روح، وهي ايضا قصت أجنحة الو. أ. م، وفرضت منطق الطلاق بالتراضي بين واشنطن وبروكسل، وهذا ما استشعرته روما أكبر متضرر من الفيروس، وتعيشه كل الدول الأوروبية الاخرى، حيث لم تجتمع دول الاتحاد، ولم تفكر في حلول مشتركة، لم يفكر الاوربيون في اغاثة جيرانهم، خاصة الإيطاليين، وتركوهم يواجهون مصيرهم لوحدهم، الإيطاليون والاسبان منزعجون منذ فترة طويلة، من تحملهم لعبأ الهجرة غير الشرعية، وها هما اليوم يتحملان ايضا الهجرة غير الشرعية لهذه الفيروس القاتل، والاتحاد الأوروبي، يخسر فعاليته وفاعليته، ويقف عجزا امام التنين الصيني، الذي تحرك وجاء لينقذ أوروبا من همجية اوروبا، وتخليها عن نفسها في محنة جاءت لتختبر الدول والكيانات والاتحادات، وتجعلها تعرف حجمها ووزنها، الاتحاد الأوروبي انهزم امام الفيروس وامام الصين، وامام قيمه، واثبت انه مجرد منظمة مصلحية، فاقدة للحس الانساني والتضامني، حيث ان فرنسا قدمت المساعدات لإيران، وتخطت جارتها ايطاليا اكبر ضحايا الفيروس، وتخطت دول أوروبا الشرقية ايضا، في رسالة واضحة، ان فرنسا تبحث عن اصدقاء وحلفاء لمرحلة ما بعد كورونا، وطبعا لن تكون ايطاليا، التي ستعاني طويلا من تبيعات الفيروس القاتل، وبذلك الاتحاد الاوربي خسر هذه المرة، خسارة كبيرة، وربما خسر وجوده، بل الفائدة من وجوده، وهذا هو بيت القصيد من محنة كورونا العالمية.

* 2020 عالم ما بعد الصدمة

جائحة كورونا، جعلتنا ندرك أن لكل دولة حدود وسيادة وشعب وقيادة، وان وهم القرية الكونية لا أساس له من الصحة، كل دولة تعزل نفسها، عن جيرنها، وتدرك ان بقائها هو الأهم وهو الأولوية القصوى، بسبب الفيروس القاتل، الإتحاد الأوروبي وفضاء شنغن، تحول إلى أكبر أكذوبة، كل دولة ستواجه مصيرها لوحدها، فلا مصير مشترك لدول متحدة بعد اليوم، هذه هي الرسالة الصينية للعالم فيما بعد كورونا، من الجيد أن يكون لك أصدقاء وحلفاء، لكن ليس من الجيد أن تقاسمهم مالك وبيتك ومصيرك، وهذه هي أزمة الإتحاد الأوروبي، الذي أدركت دوله أن أي كارثة تواجهه، يستخل عن الكيانات المنضوية تحته، فلا امان للشعوب إلا داخل دولها، وهذا هو العالم الذي سنعرفه بعد نهاية جائحة كورونا، عالم سيرسم جغرافيا جديدة، وقوى جديدة، وسيكون فيه للمعسكر الشرقي الذي بعث من جديد، دور حاسم في رسم معالمه، لقد انتهى عصر الحضارة الغربية، ولا بد لقيم جديدة أن تحكم العالم، قيم سيكون للشرق القديم بحكمته، وفلسفته، وواقعتيه، دور كبير في تحديد معالمه، إنه عام ما بعد ما بعد الحداثة، وما بعد كورونا، فيروس نشر الفوضى في كل مكان، وأعاد ترتيب كل شيء، الجغرافيا، التحالفات، الصداقة، التضامن، نعم العالم مصدوم، و2020 لن تمر مرور الكرام، خاصة في الشأن السياسي والاستراتيجي، العالم مصدوم، والدول تكتشف ان مصيرها يجب ان يكون بيدها لا بيد أي كيان اخر مهما كان قويا.

كورونا يخبرنا أن لا الشرق ولا الغرب سيكونان على ما كان عليه، قبل ديسمبر 2019، فقد إنتهت حقبة من الزمن، وبدأت حقبة جديدة، لا أقول العودة إلى ما قبل الحداثة، ولا هي الحداثة أيضا، ولا هي ما بعد الحداثة، هي ما بعد كل هذه الأشياء معًا، نظام عالمي جديد، بفلسفة جديدة، ولغة مصالح جديدة، وتحالفات غير تقليدية، ولاعبين دوليين جدد، وستصبح الدولة أكثر وعيًا في اختيار حلفائها واصدقائها لعالم جديد، لا أحد يعرفه، فكلنا ينتظر إلى أين سيقودنا هذه الفيروس الخطير، هل إلى الفناء؟ أما إلى إعادة ترتيب بيوتنا، لوحدنا ومن أجلنا ، لا من أجل غيرنا.

مقال رأي _ للكاتب الجيلالي كرايس_

Share this post

No comments

Add yours