مقال راي : بن بله و الراسماليه



بن بلة والرأسمالية
يكتبها الطاهر سهايلية

“الرأسمالية هي التي تعتقد أن الحياة الاقتصادية كازينو كبير يلعب فيه الناس بمصير الملايين.”الصافي سعيد
عرفت الأنظمة الرأسمالية تطورات مهمة أي بعد نهاية الحربين العالميتين 1-2 والتي أدت إلى تطور الصناعة ووسائل المواصلات, وكذا ازدهار المبادلات التجارية وتطور البنوك مع ازدياد الحاجة للمواد الأولية والأسواق الاستهلاكية, اشتد التنافس بين الدول والرأسمالية مما أدى إلى ظهور حركة الإمبريالية وقد نتج عن هذا التنافس الإمبريالي تصاعد التحالفات والتسابق نحو التسلح واستعمار عدة بلدان.
في تلك الفترة عاش “بن بلة” كل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي عصفت بالعالم ” كسقوط جدار برلين و الشيوعية البيروقراطية” وزار كل مناطق الإمبريالية السوداء كالهنود الحمر والأكراد والغجر , ورأى بأم عينيه كيف أن التاريخ أوشك أن يكون شموليا وكالحا وعنيدا مع زحف العولمة وتصاعد النزاعات التدخلية وعودة الاستعمار.
يرى “بن بلة” أن البروتستانتية هي الأرضية الأولى لظهور الرأسمالية وهنا يفرق بين البروتستانت الألمان والبروتستانت الأمريكيين الذين يراهم أكثر عنصرية.. فهم يعتقدون أن الخلاص هو أن يكون الإنسان صاحب ثروة لا يستغلها بل يزيد في تراكمها وهذا ما يؤكده ماركس حين يقول “إن التراكم الرأسمالي قد ترافق مع اكتشاف العالم الجديد “أمريكا” وهو ما يوضحه بشكل أكثر “سومبار” حين قال “إن ماكس فيبر هو الذي اخترع نظرية زواج الرأسمالية بالبروتستانتية”.
الرأسمالية ولدت من قبر وهذا القبر هو – قبر الهنود الحمر-, الذين سحقهم النظام الرأسمالي, وكانوا أولى ضحاياه وهذا ما يؤكد إن تاريخ الرأسمالية تاريخ دموي. وقائم على القتل الجماعي المطبق والمتعدد حسب العصور وهو قتل مستمر لحد الساعة ولكن بشكل اخر.
وأشار بن بلة إلى ما يسمى “بالرق” والتي اعتبرها تجارة رأسمالية محضة مدمرة للشعوب, يريد الغرب الترويج لها من خلال تصميم فستان حسب مقاصه ليلبسه العرب والإسلام, إلا أنها ضلت بضاغة مغشوشة والجميع يعرف مصدرها ونواياها.
حوار الشمال مع الشمال
يصف “لينين الثورة الجزائرية” حوار الشمال والجنوب بالمونولوج المزيف بدليل أن الشمال يتحدث مع نفسه باللغة التي يفهمها وطبقا لمصالحه فلا وجود لحوار دون تكافئ بين الطرفين, وهنا يشير إلى وجود ما يعرف “بالتبادل اللامتكافئ” -سمير أمين- وإعتمادا على نظرية المركز والمحيط التي تؤكد أن الشمال يعيش على حساب الجنوب, أي أن التقدم في الشمال لا يمكن إلا أن يستمر إلا على حساب التخلف في الجنوب, وبعبارة أخرى أنه كلما حقق المركز خطوة نحو التخلف, وهو يسير على وتيرة غير متكافئة تأخر الجنوب عشر خطوات.
لذا فهو يرى أنه حوار الشمال مع الشمال, لا يعدو أن يكون اختراع زائفا قائم على التبعية والاستغلال. كيف يمكن أن نستغل الجنوب أكثر فأكثر؟ وبالتالي فهي مسألة منتهية, فلا وجود لحوار يقوم فيه بنك شيكاغو بتجميد أسعار القمح, أو يشترط فيه البنك الدولي على الدول النامية تخفيض عملاتها الوطنية أو تجميد الأجور بغية الموافقة على بعض الديون.
سرطان الحضارة
لقد شهد العالم في فترة السبعينات تحولات رأسمالية تبعتها أزمات ومشاكل متعددة مما جعل الأمور تتطور وتتعقد والوصول إلى حلول أمر مستعصي. منذ ذلك الحين حذر بن بلة في العديد من المرات زعماء العالم الثالث حين قال “إن مستقبل العالم اليوم لا يبشر بالخير فهو يسير نحو الهلاك..نحو الاختناق. كما أن الأزمة الأساسية التي يعيشها هي أزمة حضارية بحته, وقد أصيب هذا العالم بداء لا دواء له لحد الان ألا وهو -سرطان الحضارة- وبالتالي فإن المشكلة لا تتعلق بمجرد أزمة اقتصادية أو سياسية كما يعتقد البعض.
ولهذا فقد دعا أيقونة المغرب العربي كل مجتمعات العالم الثالث, إلى التركيز على الثقافة باعتبارها مرحلة أساسية لا يمكن تجاوزها لبناء مجتمع جديد. مشددا على أنه لا يمكن أن يبني هذا العالم.. عالمه الخاص إلا إذا رسم طريقه ومخطط حياته وحافظ على جلوده وهويته وصاغ مفاهيمه الثقافية الخاصة وانطلقا من ثقافته وتربيته الخاصة. ودون اللجوء إلى التبعية التي راها قد أخذت مسارا مغايرا وأضحت تفرض بالعلم والثقافة وليس بالجيوش.
لقد كان هم بن بلة الوحيد هو تحرير البلاد – أي الجزائر – من التبعية والرجوع إلى الأصل العربي والإسلامي ووضع حدّ للهيمنة الرأسمالية الغربية التي كان يراها خطرا على البلاد, وإقامة وحدة بين الدول المغاربية.

Share this post

No comments

Add yours