واقع الهجرة والبعثات الدبلوماسيّة التونسية في دول غرب المتوسّط



بدأت الهجرة من تونس مطلع الاستقلال ثم تفاقمت مع تعمق الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية، و قد ارتفعت معدلات الهجرة مع أواخر القرن الماضي و بداية هذا القرن ليبلغ عدد التونسيين المقيمين بالمهجر أكثر من 10% للمجموع العام للسكان, و من هذا المنطلق, قد نفهم أهمية الرهان على هذه الشريحة من المواطنين, الذين و إن تعددت الأسباب لمغادرتهم ارض الوطن فان الهدف واحد و هو الارتقاء الاجتماعي و تحقيق مكاسب اقتصادية. و يلاحظ في السنوات الأخيرة, تغيرا نوعيا في أسبابها و تركيبتها. فبتفاقم أزمة التشغيل و انسداد الأفق أمام طالبي الشغل, دفع بالعديد إلى التفكير في الهجرة, بعد ما أصبحت هي الأمل الوحيد للخروج من الأزمة. فظهرت بذلك موجة “الهجرة الجديدة” و التي تمس خاصة الشرائح الفقيرة و المهمشة و التي تشعر بالقهر الاجتماعي و ترغب في فتح “أبواب الأمل”. فأصبحت الهجرة إلى الخارج مشروعا تتبناه العائلة بأسرها, لتسفير احد أبنائها أو جميعهم, لعلهم يجدون خلاصا لهم و لأهلهم من الفاقة و الفقر, و لو كان الثمن المجازفة بحياة أبنائهم مرتين , الأولى عندما يركبون أمواج البحر و الثانية عندما تطأ أقدامهم الأرض الموعودة. فإذا لم يقض المهاجر نحبه في الإبحار فقد تتحطم كل أماله عندما تطأ قدمه “ارض الرخاء” و عندما يقضي أول أيامه في العراء, و عندما لا يجد ما يأكل لأيام و عندما يمشي أميالا كثيرة, كذلك عندما يتنكر له الأصحاب و عندما تغلق في وجهه الهواتف و معها الأبواب.
التهميش المزدوج:
لقد عجزت الأوساط السياسية في الداخل و الخارج على فهم هذه الحقيقة و التعامل معها. فأوروبا تشدد الخناق من ناحيتها و السياسيون عاجزون على استيعاب الظاهرة و تفكيكها عبر الوسائل الاجتماعية. و لم تبق لهم سوى مهمة حراسة سواحل غرب المتوسط, متجاهلين بذلك العمق الاجتماعي و الاقتصادي لظاهرة “الحرقة ” . و قد أثرت هذه الموجة بشكل كبير على التركيبة الحالية للمهاجرين التونسيين في فرنسا و إيطاليا و خاصة في مكانة المهاجر التونسي في مجتمعات الإقامة, بصفة عامة. والملفت للانتباه أننا لم نلحظ تحركا للبعثات الدبلوماسيةو خاصة منها دوائر العمل الاجتماعي التي لا تحرك ساكنا للحد من هذه الظاهرة لاستيعاب هذه الموجة و لتجنب مخلفاتها.
إن تردي صورة التونسي ليس حكرا على المهاجرين غير القانونيين كما يتبادر لأذهان البعض. فمسؤولية الشريحة الأخرى كبيرة. خاصة على المستوى التربوي و تأطير الأبناء. و للأسف فان عددا كبيرا منهم و تحت ضغط الحاجة لتسوية وضعياتهم القانونية , يضطرون إلى الزواج بأجنبية للحصول على إقامة. و تجدر الإشارة إلى أن السلط الأوربية و خاصة منها الفرنسية لم تترك خيارا , أمام المهاجرين, إلا هذا الباب لتسوية الوضعيات القانونية.
المجلس الاستشاري للهجرة:
ذلك المطلب القديم الجديد, الذي عمل المناضلون صلب جمعيات التونسيين بدول المهجر و المهتمون بشان الهجرة منذ سنوات,و حتى قبل الثورة , على تركيزه حتى يقع تجاوز الأخطاء الكارثية في حق المهاجرين التي ترتكبها الإدارة التونسية، بطاقمها الدبلوماسي إلى ما يُسمّى بديوان التونسيين بالخارج و الذي لا علاقة له بالمهاجرين سوى بالاسم, بل لا تمثيلية قانونية له خارج الوطن, حيث يجب أن يكون.
بعد الثورة، و بتفاقم المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية للمهاجرين, استحيت بعض الجمعيات المشتغلة بمشاكلهم , مطلب إنشاء المجلس الاستشاري للهجرة و قد عملوا على صياغة مشروع تشاركي له, غير انه و بتوالي الأزمات السياسية
و الحكومات المتعاقبة, ووقع الزج بهذا الملف في بحر المهاترات السياسية, فانحرف المشروع عن أهدافه و أصبح يشكو من عديد النقائص, نذكر منها أن:
الصبغة الاستشارية للمجلس والتي نصّ عليها مشروع القانون يجعل أعمال المجلس مرتهنة بقرار السلطة التنفيذية، لذلك كان من المفترض أن تكون للمجلس صبغة تقريريّة.
اعتماد آلية التعيين في اختيار أعضاء المجلس يمسّ من استقلاليّة المجلس وقراراته ويجعله رهينة الحسابات الحزبية والظرفية المهيمنة في الحكومة.
أن يكون في تركيبة المجلسنواب المهجر لا ينسجم مع طبيعة مهامهم المخوّلة بمقتضى القانون داخل السلطة التشريعيّة ناهيك وأنّ تواجدهم بقبّة البرلمان خلال المدّة المحدّدة دستوريا يجعلهم في انقطاع تامّ عن الجالية ومشاغلها خلال الفترة النيابيّة.
إن اختيار ممثلين عن منظمات وطنية دون أخرى، يجعلنا نتساءل عن المعايير التي يتم اعتمادها لاختيار ممثلين عن هذه المنظمة الوطنية دون أخرى، وما مدى فائدتها وناجعتها بالنسبة إلى الجالية.
و لم يتناول المشروع الآليّة التي ستعتمد في اختيار الجمعيات التي ستكون في تركيبة الجلسة العامّةبما يجعل عمليّة الاختيار رهينة حسابات سياسيّة والحال أنّ المحدّد الوحيد لتقييم وزن الجمعيات وفاعليتها ومصداقيتها ومشروعيّة جماهيريتها هم أبناء الجاليّة ذاتهم…
تغيرت صورة التونسي في المهجر في السنوات الأخيرة نتيجة المستجدات الاجتماعية والاقتصادية في تونس و في بلدان الإقامة. وتعددت المتغيرات القانونية والثقافية و السياسية لتجعل منها ظاهرة سوسيولوجية بامتياز, جديرة بالدراسة والاهتمامفمن الواجب على بعثاتنا الدبلوماسية, جمع كل البيانات الديمغرافية و الاجتماعية و الاقتصادية للأسر التونسية بشكل حرفي و دراستها بشكل علمي دقيق قصد فهم أنماط تطورها و من ثمة رسم سياسات ملائمة لتطلعاتها.
فإلى متى تتعامل البعثات الدبلوماسية بمنظومتها القديمة مع المهاجرين و لا تتفاعل مع ما تقدمه الدراسات العلمية في المجالات الاجتماعية و التربوية التي تصوغ بشكل مباشر للرأي العام و تؤثر على صورة التونسي و مكانته الاجتماعية في المهجر. فمن الجدير بالدوائر الدبلوماسية اليوم رسم استراتيجية واضحة للقضاء على أسباب التهميش و الضياع لا بناءنا المقيمين بالمهجر و انتشالهم من الانحراف.

Share this post

No comments

Add yours