يوم من حياتي … معارضة بريئة



بقلم نبيهة كرير

يَعِيشُ الاِنْسَان حياته بين مدّ و جَزر .. يعرف فيها مواقف و أشخاص فيهم من يبقى عالقا بالذَّاكِرةْ و فيهم مَنْ لا يلبث إلا بضع لحظات.. و اَعْتَقِد انَّ مِنْ بَينِ اللَّحَظَاتْ الّتِي تَبْقَى رَاسِخَةً فِي ذَاكِرةِ ايٍّ منّا هي سنوات المراهقة الأولى .. سنوات نمرُّ فيها بين مرحلتين .. نودع في إحداها الطفولة و ذكرياتها و نستقبل في أخرى بداية شبابنا و ما يحيط بها من أمور .. و لعل ابرز الذكريات و أحلاها هي سنواتنا الأولى في المعهد الثانوي عندما نكتشف عالما جديدا باتم معنى الكلمة .. و لي من تلك الأيام قِصَّةٌ اَعْتِقد انَّ لَهَا بَالِغَ الأثر في مَا أعيشه اليوم و إليكم القصّة ..
ذات سنة كان عمري فيها 15 ربيعا و كنت أخطو خطواتي الأولى في المعهد الثانوي، كنت شعلة من النشاط و كنت اتقد حيوية و مقبلة على الحياة كما أنا الآن.. صادف ذلك العام تنظيم انتخابات للترشح لمجلس النواب و كان عقلي الصغير لا يعرف حينها معنى الانتخابات أصلا إذ كنت وقتها أحبو خطواتي الأولى في درب طويل و مضن. كان عالم المراهقة غريب عني و كنت لا افقه فيه إلا القليل فما بالك بعالم السياسية و مكرها..
ما كنت اعرفه فقط حينها أن الانتخابات يشارك فيها عن قريتي الصغيرة ڤرماسة الدكتور البشير دربال وكذلك السيدة فتيحة العماري التي أعتبرها الى اليوم مثلي الأعلى الذي أنار كثيرا من الظلمات التي اعترضت مسيرتي في ما بعد، المهم أن السيدة فتيحة كانت ترأس قائمة حزب معارض للحزب الحاكم و كان مجرد الوقوف على معلقة من معلقات أحزاب المعارضة الملصقة على استحياء في عدد قليل جدا من جدران مدينتنا يعد جريمة في نظر الكل، على العموم كل هذا لم أكن اعرفه و لم أكن افقهه البتة.
في خضم تلك الانتخابات كان لفتيحة لقاء مع الناخبين تلقي فيه كلمة في محاولة لا تسمن و لا تغني من جوع لاستمالة بعض الأصوات لعلها تحظى بخدمة وطنها و كان لي في القسم زميلة وصديقة مقربة الى نفسي جدا تقاسمني كل شيء تدعى مروى و كانت مروى هذه من قريبات السيدة فتيحة فاقترحت عليا أن نذهب سويا إلى اللقاء و أن نشارك فيه طبعا وافقت و دون تردد لا لشيء إلا لأني كنت اعشق النشاط و اعشق كل ما يمكن أن يكون يوما تجربة مفيدة لي في حياتي …. اذا وافقت دون أي علم مسبق بما سيحدث بعد، عدت إلى أمي و كل فرح و سرور باقتراح المشاركة في الاجتماع و كنت أرى الدنيا وردية جميلة و كانت تونس في ذهني وطنا جميلا يسع كل أبناءه و لم يدر بخلدي أبدا أن السياسة الملعونة كانت قد لعبت دورها بين أبناء الوطن الواحد ففرقتهم بين حاكم و معارض و بين جلاد و ضحية. عدت إلى أمي اخبرها و أستشيرها لا بل اعلمها باني مدعوة إلى المشاركة في اجتماع في مدينة تطاوين و إن الدعوة قد جاءتني من صديقتي مروى .. مروى كانت كلمة سرّ لي عند أمي فكل ما افعله مع مروى مسموح و مقبول، وافقت إذا أمي لذهابي إلى المدينة..
من الغد، أفقت باكرا جدا أكثر حتى من عادتي و كأنه يوم عيد و استبقت الخطى الى محطة حينا التي كانت الحافلة تقلنا منها إلى المعهد بمدينة غمراسن و منها سرت هرولة إلى المعهد .. كانت هرولتي دون وعي مني فنفسي تواقة للاكتشاف و للخروج من عالمها الصغير الرتيب، مرت ساعة الدرس كأنها دهر، مرت و لم اكن احضرها الا جسدا فكل جوارحي ذهبت بي بعيدا اتخيل اللقاء الشعبي و اتخيل الحضور و اذناي تستمعان الى تصفيق تعم القاعة و اتخيل و اتخيل .. لم افق الا و مروى تلكزني بلطف ان هيا قومي بنا فسيارة النقل الريفي بالانتظار و قد لم نصل في الوقت المحدد الى الاجتماع ..
ركبنا سيارة النقل الريفي، كان قلبي يكاد يقفز من مكانة لفرط خفقانه و كنت احس باحمرار في وجنتي و حرارة شديدة تعتري اذناي الصغيرتين و كان الحماس يكاد يطبق على انفاسي حتى اني كنت ارى السيارة تسير ببطيء شديد و لكن سائقها عمي علي الناكوع كان يقودها بكل ما بها من قوة فهي سيارة متهالكة اعياها السفر بين ڤرماسة و تطاوين و اعيتها حالة الطريق البائسة .. بعد بضع دقائق وصلنا قاعة الاجتماع سرنا نحوها بخطى ثابتة مررنا قبل الولوج اليها باكثر من سيارة شرطة كانت تحيط المكان و خيل الي حينها ان الدولة توفر الحماية الى الشخصيات المهمة و النافذة في الدولة و لم اكن اعلم ان كل ذلك التواجد الامني كان للرصد و التضييق .. دلفنا القاعة و من ان فعلنا حتى تفاجئنا بالحضور الهزيل جدا .. قلت في نفسي ما ابعد الخيال عن الواقع فقد كنت منذ ساعة تقريبا اتخيل القاعة غير قادرة على احتواء الحضور، صدمة لم تدم طويلا و الحمد الله، السبب طبعا كان الحضور الطاغي للسيدة فتيحة، كانت تتوسط القاعة كانها عروس في ليلة زفافها و كان صوتها قويا لافتا و كانت بلاغتها ساحرة و ثقافتها شديدة الاتساع و شجاعتها تضاهي شجاعة الفرسان الاشاوس .. كانت تخطب و تنقد و تنصح و توجه و كان كل ذلك عندي من أروع ذكرياتي، آه يا لها من امرأة ..
مر اللقاء سريعا و لم اشعر بنفسي الا و أنا مع السيدة فتيحة وجها لوجها تصافحني و تربت على كتفي و في نظرتها لي كلام كثير فيه شكر و تشجيع و امتنان .. قالت لي بعد ان قدمتني لها صديقتي مروى ” اه يا صغيرة، يبدو عليك الذكاء، انت فطنة و ينتظرك مستقبل باهر، لا تفترن عزائمك في المحبطات كثر” مدتني بكمية من الاوراق تتحدث فيها عن برنامجها الانتخابي و تدعو فيها الناس الى انتخابها و طلبت مني توزيعها و حث الناس على الذهاب الى مكاتب الاقتراع و اختيار الرقم 9، كان ذلك عندي أمر يستحق الاحتفال فعلا، فمن مجرد مشاركة في لقاء انتخابي صرت من واحدة من بين قلائل تعول عليهم السيدة فتحية. ودعناها أنا و مروى و غادرنا المكان و ذهبنا الى محطة سيارات النقل الريفي نطلب نفس السيارة و نفس السائق طبقا لاتفاق مروى معه .. كانت عيون الامن ترافقنا و كنت اعتقد ان وقوفي مع السيدة فتيحة كان له اثر عندهم فصور لي عقلي الصغير ان عيون الامن كانت تريد حمايتي و لكنها بالعكس كان تسجل عني حركاتي و سكناتي ..
انطلق بنا السائق في اتجاه ڤرماسة و يا لا تأثير لقائي بالسيدة فتحية في نفسي .. السيارة هي السيارة و السائق هو السائق و لكني في طريق العودة كنت احس و كأني اركب بساط علاء الدين و اتجول بين السحاب في عالم جميل مليء بالمثاليات .. وصلنا سريعا و انطلقت في توزيع الاوراق الى كل من يعترض سبيلي من المارة و كانت فرحتي تغطي عيناي عن رؤية هؤلاء الناس يرمون الاوراق خفية عني و كأني ناولتهم بدل الاوراق جمرات من نار … عدت بعد توزيع كل الاوراق الى البيت، كنت منهكة جدا و فرحة جدا كنت احس و كانني اولد للتو .. استقبلتني امي بانشغال شديد فقد اخذ مني الاجتماع وقتا اكثر من الذي اتفقت عليه معها مسبقا و لكني سرعان ما بددت خوفها بحكاياتي التي لم تنته يومها الا و انا مستسلمة للنوم في حضن أمي.
الساعة الخامسة صباحا ليوم الغد، رن جرس منبه الصوت بجانبي و سمعت امي المسكينة و قد انطلقت بعد في اعداد خبز الحماس.. افقت و جهزت نفسي و انطلقت في اتجاه محطة الحافلة المدرسية …. كنت اول من يصلها كالعادة.
انطلقت بنا الحافلة و كانت كل الامور تسير بشكلها الروتيني اليومي و ما ان وصلنا الى المعهد و دخل كل منَّا قاعته و لم يمض اكثر من عشر دقائق حتّى أطلّ علينا القيّم العامّ مقطّب الجبين يبدو عليه علامات الغضب و الاستياء و يا لهول المفاجأة اذ وقف داخل القسم و صاح بأعلى صوته “وينها نبيهة كرير؟” .. كانت مفاجأة بالنسبة لي ولو أني تعودت به يدخل قاعتنا و ينادي عليا لتسليمي شهادة شكر او شرف و لكن ليس في مثل هذا الوقت من السنة الدارسية، توجست خيفة و ظننت ان في الامر سوءا ما لا علاقة له بما حدث لي مع السيدة فتيحة فذلك آخر شيء كنت اتوقعه…
ناداني و اجبت باني هنا موجودة فقال ” يلا تعالي الى مكتب المدير بسرعة” … رتبت ادواتي بسرعة و بيدي ارتعاش لم اتعوده فنبرة صوت القيم العام بقيت تتردد في اذناي .. لحقت به الى مكتب المدير، شققت ساحة المعهد و كاني اشق نهرا من نار، وصلت مكتب المدير مرورا ببعض المكاتب التي كانت خاوية الا من كراسيها و مناضدها مما زاد في حيرتي، طرقت الباب انتظرت برهة بعدها سمعت الصوت المدير آذنا لي بالدخول، فتحت و دخلت، يا الله ما هذا الذي يحدث، كان جميع الموظفين تقريبا هناك و كانوا يقفون صفين يتوسطهم المدير و كان القيم العام يقف الى يمين المدير و يحمل بيده عصا تيقنت من قبل ان انبس ببنت شفة انها مصيري لا محالة. انطلقت حصة الاستجواب بسؤال من المدير ” اشنوه اللي تعملي يا نبيهة؟ تحبي تباصينا الناس الكل ؟؟” لم افهم شيئا فذهني خال من اي شيء قد يعكر صفو المدير و الادارة فقلت له ببراءة الطفلة الحالمة ” اش عملت سيدي؟ والله ما عملت شيء”، عندها نطق القيم العام الذي كان يستعجل استجوابي ليفرغ فيا كل غضبه و حنقه ” تحضري في اجتماعات المعارضة و تڤولي ما عملتي شيء” و كانت تلك اشارة انطلاق عملية عقابي و انهال بالعصا يضربني بعنف شديد على يديا الصغيرتين فتارة امد له راحتيي يديي و تارة يديرها ليضرب اصابعي المتورمة من البَرْدِ حتى ادمى اظافري .. كان مشهدا مؤلما جدّا جدّا و حز في نفسي كثيرا .. وجوه الجمع المكفهرّة لم يفارق ذهني و صوت العصا ينهال علي يدي ظل يعزف طويلا لحن الالم في اذني… بعد ان اكتفى القيّم العامّ من ضربي قال لي المدير ” يلا امشي روحي ما عاد تجيني كان بولي امرك فيسع”..
خرجت مسرعة ابكي بكاءا مرا اقطع فيه الطريق المؤدي الي بيتنا في ڤرماسة مشيا على الاقدام حيث لم تكن تلك ساعة قدوم الحافلة المدرسية.. اسرعت الخطا و في البال صدر أمي الحنون الذي تعودته سكنا لي في حزني قبل فرحي .. وصلت و إذا بأمي قادمة من بعيد تخطو نحوي سريعا قلت في نفسي يا لا قلب الام فلعلها احست بما حدث لي و لكنها في الحقيقة كانت متسلحة بعرجون النظافة الذي اكمل ما بدأته عصا القيم العام .. كانت تضربني في كل مكان من جسدي وهي تصيح ” اش عملتي فينا يا كلبة باش تباصينا ماهو و ادخلي باباك الحبس تو العمدة كان هنا لاما نوريك حر ايدي” .. نلت من امي يومها ما لم انله منها كامل السنوات الخمسة عشر السابقة و دخلت البيت صاغرة متالمة من شدة ما ضربت و عقلي يراجع كل ما حدث.. ماهي الا سويعة او اقل حتى رن هاتف بيتنا و تخيلوا من كان المتصل؟؟ انه ابي العامل في العاصمة تونس في سوق الجملة كان صوته في السماعة مزمجرا حتى اني اتذكر الى يوم الناس هذا كل ما قاله لامي المسكينة التي نالها نصيب هام من السباب و الشتم ..
سجنت بعد تلك المكالمة اياما في غرفتي، و مرت تلك الايام ثقيلة جدا احسست فيها احساس سجين انفرادي محكوم عليه بالاعدام .. كنت كل ما احسست بالم اظافري اتذكر أن يدي تلك صافحت السيدة فتيحة فيزول الالم و احس بنبضة امل في قلبي تجعل الدم يتدفق في عروقي يملأني حياة و أملا .. بعد عذاب السجن الانفرادي و المنع من الدراسة رق قلب أمي و بتدخل من خالة تم الافراج عني من زانزاتي و عدت الى المعهد من جديد، عدت بصورة جديدة لدى الجميع الا من مروى صديقتي و حبيبتي … عدت و في نفسي عزم شديد لان اكون مثل السيدة فتيحة ثقافة و شأنا… عزم غرسته فيا تلك السيدة المناضلة في سنوات الجمر و التي انسحبت اليوم من حياة سياسية اختلط فيها الحابل بالنابل و ركب فيها الجميع ظهر ثورة يكاد يقسم …
وبفضل الله وبحمده ها انا أشق طريقي بثبات رغم كل شيء …أشق طريقي وحدي تحدوني فيه عزيمة كبرى بأن اكون متأثرة في من حولي و اني لماضية فيه مهما كانت الصعوبات ….

Share this post

1 comment

Add yours

Post a new comment